لعبة ترامب في إيران ومضيق هرمز: هل يريد الحل أم إدارة الفوضى؟
نبيل شحاده - منذ انطلاق موجة الضربات العسكرية المشتركة التي قادتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد البنى التحتية الإيرانية، ودخول الملاحة الدولية في مضيق هرمز دائرة الخطر المباشر، والمنطقة تعيش على وقع صراع مفتوح لا يهدأ. ورغم الجولات الدبلوماسية السرية والعلنية المتعاقبة، وتوقيع مذكرات تفاهم مؤقتة سرعان ما تتبخر تحت وقع الانفجارات وتجدد الحصار البحري واستهداف ناقلات النفط، يبدو المشهد السياسي كأنه يدور في حلقة مفرغة. هذا الجمود الميداني يدفع إلى طرح أسئلة جوهرية في الدوائر السياسية العالمية: هل تبحث إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فعلياً عن حلول أو تسوية نهائية تعيد الاستقرار إلى المنطقة، أم أننا أمام هندسة متعمدة لإدارة الفوضى واستنزاف الخصوم والحلفاء على حد سواء؟
تشير القراءات والتحليلات التي أمكن الوصول إليها إلى أن مقاربة البيت الأبيض تجاه الأزمة الإيرانية تقوم على التصعيد المبرمج وخلط الأوراق. فبدلاً من السعي نحو حلول مستدامة، تتعامل الإدارة الأمريكية مع الأطراف الإقليمية والدولية بمنطق البراغماتية الصادمة:
بالنسبة لإيران، تعتمد واشنطن تكتيكاً مزدوجاً يجمع بين التلويح بالقوة العسكرية المطلقة وفتح قنوات تفاوضية مشروطة بشروط قاسية، أدت في نهايتها إلى انهيار تفاهمات سابقة بسبب رغبة واشنطن في انتزاع تنازلات استراتيجية كبرى قبل تقديم أي مكاسب اقتصادية حقيقية لإيران، مما يترك النظام الإيراني عالقاً بين خيار الانهيار الاقتصادي التدريجي أو الاستسلام بشروط أمريكية صارمة.
في المقابل، تجد دول الخليج نفسها في عين العاصفة، تواجه تهديدات مباشرة لأمن الطاقة وحركة التجارة ولاستقرارها. وفي وقت تواصل واشنطن رفع شعار حماية الحلفاء، تتركهم في الوقت ذاته عرضة لتبعات لمخاطر أمنية واستنزاف اقتصادي، مما يدفع بعض العواصم للبحث عن مسارات تفاهم ثنائية ومستقلة مع لدرء المخاطر، بمعزل عن الحسابات الأمريكية الإسرائيلية المطلقة.
والأمر لا يقف في منطقة الخليج العربي، بل يتعداه إلى عواصم الاتحاد الأوروبي وآسيا التي تشعر بقلق كبير أمام تداعيات أزمات سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة تعطل الممرات المائية. وهؤلاء كلهم، يجدون أنفسهم مجبرين على مجاراة الإيقاع الأمريكي، وسط مخاوف حقيقية من أن تتحول أزمات الشرق الأوسط إلى مسبب قوي لركود اقتصادي عالمي ممتد.
وفي العودة إلى مضيق هرمز، فهو يُمثل البند الأكثر حساسية في هذا النزاع؛ فهو ليس مجرد ممر مائي، بل هو الصمام الأساسي لاقتصاد الطاقة العالمي، وتدرك طهران أن تحكمها، ولو جزئياً، بهذا الشريان البحري هو ورقة الضغط الأقوى لإجبار واشنطن على الوفاء بالتعهدات الاقتصادية ورفع العقوبات المصرفية. في المقابل، تعتبر واشنطن أن أي تسليم بالسيطرة الإيرانية على المضيق يمثل هزيمة استراتيجية كبرى، تجعل الممر رهينة لمعركة كسر بعيداً عن أية تسوية مرضية للطرفين والدول المستفيدة من المضيق.
وفي خضم هذا المخاض العاصف، جاء توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" بين السعودية وتركيا وباكستان، ليمثل "حركة تصحيحية هادئة" في هيكلية التحالفات الإقليمية. فهذه الاتفاقية التاريخية، التي تنص صراحة على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث يُعد عدواناً على الجميع، تؤسس لكتلة ردع استراتيجي يناهز قوامها البشري والعسكري مئات الآلاف من الجنود وتكاملًا فريداً بين القدرات التقنية التركية، والعمق العسكري الباكستاني، والوزن المالي والاقتصادي السعودي، وهذا ما يكشف المعطيات الحاسمة الآتية:
أولاً: لا شك أن توقيت الاتفاق يعكس رغبة عميقة لدى العواصم الثلاث في إرسال رسالة ردع واضحة وصريحة لكل من تسوّل له نفسه استغلال الفراغ الأمني أو التلاعب بمقدرات المنطقة. ويؤكد الاتفاق أنه يُمثّل مظلة وقاية ميدانية تفرض قواعد جديدة تعيق أي محاولات لاستنزاف دول المنطقة منفردة.
ثانياً: رغم ارتباط الإعلان بسياق الحرب الدائرة والتوترات المستمرة، فإن تأسيس هذا التحالف يشكل "جدار أمان وثقة" استراتيجي طويل الأمد، يبني استقلالية قرار دفاعي إقليمي، وينقذ المنطقة من التبعية المُطلقة للأجندات الغربية المتقلبة، ويؤسس لمركز قوة قابل للتوسع يضمن الاستقرار الإقليمي بمعزل عن حسابات البيت الأبيض الانتخابية أو مجازفات الأطراف الساعية لتأجيج الحروب.
ثالثاً: على الجانب الإسرائيلي، تكشف التحليلات أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية مبنية على ديمومة التصعيد والبقاء ضمن دائرة الحروب والأزمات، واتفاق مكة، يضع تل أبيب أمام مأزق حقيقي يتمثل في خطر الانعزال والعجز عن جر القوى الكبرى إلى حروب عبثية تحقق أهدافها التوسعية.
الخلاصة تؤكد أن الإدارة الأمريكية الحالية لا يبدو أنها تتبنى رؤية تهدف إلى حل جذري ينهي صراعات المنطقة وفق أسس دبلوماسية متوازنة، بل تواصل إدارة الصراع عبر سياسة "لا حرب ولا سلم" تستنزف من خلالها الخصوم والحلفاء معاً. وفي المقابل، جاءت "اتفاقية مكة" لتؤكد أن دول المنطقة أدركت تماماً عبثية الانتظار، لترسم بوعي استراتيجي جدار أمان يجمع بين الثقل العسكري والاقتصادي والبشري، معلنةً ميلاد معادلة أمنية جديدة قد تُعيد كتابة قواعد الاستقرار الإقليمي من قبل دول المنطقة نفسها.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook