للبيت رب يحميه: تاريخ الاعتداءات على مكة والكعبة
عبد الفتاح خطاب - الكعبة المشرفة، بيت الله الحرام وقبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، ورمز التوحيد منذ أن رفع إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قواعدها، لم تكن عبر التاريخ بمنأى عن الصراعات والفتن التي عصفت بالمنطقة. فقد طالتها النيران والقذائف، وانتهكت حرمة المسجد الحرام، وسُفكت الدماء في رحابه، بل واقتُلع الحجر الأسود من مكانه وحُمل بعيداً عن مكة. وفي العصر الحديث، احتُلت أروقة الحرم على مدى أسبوعين، ثم اقتربت الصواريخ والمسيرات من مكة في سياق الصراعات الإقليمية.
ومع ذلك، بقيت الكعبة قائمة، واستمر الحرم مركزاً للحج والعمرة والعبادة. ومن هنا ظلت قصة أصحاب الفيل حاضرة في الذاكرة الإسلامية، حيث يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾، وترتبط بها العبارة الشهيرة المنسوبة لعبد المطلب: «أنا رب الإبل، وللبيت رب يحميه».
لكن قراءة التاريخ بأسلوب موضوعي تكشف صورة أكثر تعقيداً: فالبيت تعرض بالفعل لأضرار واعتداءات جسيمة، وأعيد بناؤه وترميمه مراراً تحت رعاية الدول المتعاقبة، فيما بقيت مكانته الدينية والرمزية راسخة لم تتزعزع.
محاولات ما قبل الإسلام: من روايات حِمْيَر إلى عام الفيل
تروي بعض المصادر العربية القديمة أخباراً عن محاولات نُسبت إلى بعض ملوك اليمن من حِمْيَر (مثل تبع أسعد أبي كرب وابنه حسان) للهدم أو للتأثير في مكانة مكة ونقل حجارتها أو بناء بيت منافس في اليمن لجذب الحجاج والتجارة. إلا أن هذه الروايات لا تتمتع بدرجة التوثيق التاريخي ذاتها مقارنة بحادثة الفيل، ولذلك يُتعامل معها بحذر في التحليل التاريخي.
أما الحادثة الأشهر والموثقة قرآنياً، فهي حملة أبرهة الحبشي (حوالي عام 570 أو 571 ميلادية). بنى أبرهة كنيسة «القليس» في صنعاء ليصرف العرب عن الكعبة، فلما لم ينجح، سار بجيشه وفيلته لهدم البيت. وقد خلّد القرآن الكريم هدم هذه الحملة في سورة الفيل: ﴿وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾. وبقيت الكعبة سالمة، وكان ذلك في العام الذي ولد فيه النبي محمد ﷺ، لتصبح هذه القصة النموذج الأشهر في الذاكرة الإسلامية على الحماية الإلهية للبيت الحرام.
العصر الإسلامي الأول: الصراعات والفتن الداخلية
بعد ظهور الإسلام، تعرضت مكة للآثار المباشرة للصراعات السياسية والعسكرية التي شهدتها الدولة الإسلامية في مراحل مختلفة:
- حصار عام 64 هـ (683 م): خلال الفتنة الثانية، أرسل الأمويون جيشاً لمواجهة عبد الله بن الزبير الذي اتخذ من مكة مركزاً له. تحصن ابن الزبير بالحرم، ورُميت الكعبة بالمنجنيق واشتعلت فيها النيران وتهدم جزء من سقفها. بعد انتهاء القتال، أعاد ابن الزبير بناءها مستنداً إلى حديث عائشة رضي الله عنها عن رغبة النبي ﷺ في إعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فأدخل فيها الحجر وجعل لها بابين.
- حصار عام 73 هـ (692 م): حاصر الحجاج بن يوسف الثقفي مكة بأمر من عبد الملك بن مروان لمواجهة ابن الزبير. رُميت مكة والكعبة بالمنجنيق مجدداً، مما أدى إلى تضرر جدارها الشمالي. وبعد مقتل ابن الزبير، أُعيد بناء الكعبة بأمر من عبد الملك بن مروان على الشكل البنائي الذي كانت عليه في عهد قريش.
فتنة القرامطة: يوم انتهكت حرمة البيت
تُعد حملة القرامطة أشد الاعتداءات صدمة وفتكاً في تاريخ الحرم. اقتحم أبو طاهر الجنابي القرمطي مكة في موسم الحج عام 317 هـ/930 م وارتكب مجزرة واسعة في صفوف الحجاج وأهل مكة، ونُهبت أستار الكعبة.
وكان الاعتداء الأشد رمزية هو اقتلاع الحجر الأسود ونقله إلى الأحساء (البحرين التاريخية)، حيث بقي بعيداً عن مكة زهاء 22 عاماً قبل أن يُعاد إلى موقعه. ورغم أن الكعبة لم تُهدم بالكامل، إلا أن الحادثة مثلت انتهاكاً غير مسبوق لقلب الرمز الديني الإسلامي.
الكعبة والحوادث الطبيعية
بالإضافة إلى الاعتداءات البشرية، تعرضت الكعبة عبر التاريخ لأضرار ناجمة عن السيول الشديدة والحرائق الطبيعية (مثل سيل عام 1039 هـ / 1630 م الذي أدى إلى انهيار بعض جدرانها)، وأُعيد بناءها وترميمها مراراً وتطوير المسجد الحرام وصولاً إلى التوسعات السعودية الحديثة.
العصر الحديث: احتلال الحرم وحوادث موسم الحج
شهد القرن العشرون حوادث بارزة أثرت على أمن المسجد الحرام:
- حادثة احتلال الحرم المكي (1979 م / 1400 هـ): فجر يوم 20 تشرين الثاني 1979 (1 محرم 1400 هـ)، اقتحمت مجموعة مسلحة بقيادة جهيمان العتيبي المسجد الحرام، وأعلنوا ظهور «المهدي المنتظر» (محمد بن عبد الله القحطاني)، واحتجزوا آلاف المصلين. تشير التقديرات والوثائق إلى أن عدد المسلحين تراوح بين 200 و500 مقاتل. تحولت أروقة الحرم ومآذنه إلى مسرح لقتال عنيف استمر نحو أسبوعين، وانتهى باستعادة القوات السعودية للسيطرة وإعدام المشاركين. ورغم خطورة الحادثة وتحول الحرم إلى ساحة مواجهة، إلا أن هيكل الكعبة لم يصب بأذى جسيم.
- أحداث موسم الحج (1987 م): في 31 تموز 1987، اندلعت مواجهات عنيفة في مكة بين متظاهرين إيرانيين وقوات الأمن السعودية على خلفية التوترات السياسية المترتبة على الثورة الإيرانية عام 1979. أسفرت الاشتباكات عن مقتل 402 شخصاً (بينهم 275 حاجاً إيرانياً و85 من رجال الأمن وفق حصيلة رسمية). وتكمن أهمية هذه الحادثة في تذكيرها بأن التوترات السياسية قد تسهم أحياناً في انتهاك حرمة مكة وموسم الحج.
تهديدات الصواريخ والمسيرات في العصر الحديث
في السنوات الأخيرة، انتقل خطر التهديدات الأمنية إلى الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة في سياق حرب اليمن والصراعات الإقليمية:
- تشرين الأول 2016 وتموز 2017: أعلنت السعودية اعتراض صواريخ باليستية أطلقتها ميليشيا الحوثي على مسافات تتراوح بين 65 و69 كيلومتراً من مكة المكرمة، مؤكدة أن مكة كانت الهدف. في المقابل، أعلن الحوثيون أنهم استهدفوا مواقع عسكرية في جدة والطائف، نافين استهداف المقدسات.
- أيلول 2026: أعلنت القيادة السعودية اعتراض ودعم طائرة مسيّرة حوثية جنوب مكة قبل دخولها المجال الجوي المحظور للمدينة، واعتبر التحالف ذلك محاولة لاستهداف مكة، بينما نفى الحوثيون استهداف أي مواقع دينية.
للبيت رب يحميه
من أصحاب الفيل إلى القرامطة، ومن حصارات العصر الأموي إلى احتلال الحرم عام 1979، وصولاً إلى التهديدات الحديثة بالصواريخ والمسيرات، مرّ المسجد الحرام والكعبة المشرفة بمحن وظروف عصيبة لم تكن فيها الحماية البشرية الجغرافية وحدها كافية لمنع الخطر.
تعرضت الكعبة للحريق والقصف، واقتُلع الحجر الأسود لسنوات، وسُفكت الدماء في أروقتها في فترات مختلفة. لكن الحقيقة التاريخية والإيمانية الثابتة هي أن البيت لم يُدمّر، ولم تُمحَ مكانته، ولم يتوقف المسلمون عن التوجه إليه في صلاتهم وحجهم وعمرتهم.
تظل العبارة التاريخية «وللبيت رب يحميه» ركناً أساسياً في الوجدان الإسلامي؛ فالتاريخ أثبت أنه مهما بلغت الفتن والحروب والتجاسر على المقدسات، يبقى بيت الله الحرام شامخاً آمناً بعناية الله وتدبيره.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook