شاحنة الموت في ضهر البيدر: السلطة اللبنانية بين فكي التواطؤ وفائض القوة
نستراك - الشاحنة الصغيرة الرمادية التي أوقفها حاجز لقوى الأمن الداخلي عند مرتفعات "ضهر البيدر" ليست مجرد آلية تجارية كانت تحمل وزناً ثقيلاً على الطريق الرابط بين سهل البقاع والعاصمة بيروت؛ بل كانت أشبه ببرميل بارود سياسي كشف النقاب عن أزمة حقيقية تعصف بما تبقى من هيكلية الدولة في لبنان. فضبط نحو 780 كيلوغراماً من المواد الشديدة الانفجار، تتصدرها مادة "سي 4" البلاستيكية و"بينتريت" و"تي إن تي"، معززة بقوالب معدنية موجهة وأكثر من 300 كيلوغرام من كرات الحديد المخصصة للفتك بالبشر لم يحبط مجزرة محتملة فحسب، بل وضع النظام السياسي والقضائي اللبناني برمته أمام اختبار الحقيقة: هل تمتلك السلطة اللبنانية إرادة حماية أمن مواطنيها وسيادة قوانينها، أم أنها اختارت الاصطفاف في خانة التواطؤ والعجز أمام سلاح خارج عن سلطة الدولة؟
تكتسب هذه الواقعة، التي كشفت عنها تقارير قضائية وأمنية، خطورتها الفائقة من توقيتها ومسارها الجغرافي. فالشحنة التي انطلقت من معاقل نفوذ حزب الله في بعلبك بأوامر من قيادي يُسمّى "ساجد"، كانت في طريقها لتستقر في الضاحية الجنوبية لبيروت وتسليمها لشخص آخر يدعى "ذو الفقار"، بالتزامن مع ما كشف النائب جورج عقيص عن عملية أمنية مسبقة تمثلت في تخريب 28 كاميرا مراقبة تابعة للبلديات على امتداد طريق شتورا وجلالا والمريجات بأطلاق الرصاص عليها، في خطوة نفذها محترفون هدفت بوضوح إلى تعمية مسار التهريب وتأمين ممر آمن لشاحنة أو ربما شاحنات المتفجرات.
عسكرياً وتكتيكياً، تسقط رواية "السلاح المخصص للجبهة" فوراً عند أول فحص جنائي لمحتويات الشحنة. فالجيوش وحركات المقاومة النظامية لا تنقل عتادها المضاد للاحتلال من عمق البقاع باتجاه شوارع العاصمة المكتظة بالسيارات والمدنيين، بل تدفعه نحو خطوط التماس الأمامية في أقصى الجنوب. أضف إلى ذلك أن الطبيعة الفيزيائية للمضبوطات تفضح غايتها الأمنية والداخلية؛ إذ إن الجمع بين مادة سي 4، ذات السرعة الانفجارية الهائلة ( 8 كلم في الثانية) ومادة "بينتريت" الحساسة والشديدة التدمير، إلى جانب خمسة قوالب معدنية لتصنيع "العبوات الموجهة الخارقة للدروع"، و305 كيلوغرامات من كرات الفولاذ الصغيرة، يمثل الخلطة الكلاسيكية لصناعة السيارات المفخخة والعبوات الناسفة المعدة للاغتيالات الدقيقة.
إن وجود هذا الحجم الهائل من الشظايا والكرات الحديدية يثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الهدف ليس نسف تحصينات عسكرية على الحدود ولا زرعها على طريق تمر بها قوافل عسكرية مدرعة، بل الهدف هو تضخيم "نصف القطر القاتل" ضد أهداف بشرية ومواكب سياسية في مناطق سكنية. وبحساب المكافئ التدميري، تعادل هذه الشحنة أكثر من 1.2 طن من مادة تي أن تي الصافية، وهي قدرة نارية تكفي لمحو مجمع سكني كامل من الوجود أو إعداد ما يقارب 20 عبوة ناسفة لاصقة وموجهة كفيلة بتنفيذ حملة تصفية واسعة النطاق تعيد رسم الخارطة السياسية في البلاد بالدم والجثث.
يستحضر اللبنانيون كلما سمعوا بمادة سي 4 المضبوطة فصولاً سوداء من تاريخهم المعاصر لم تندمل جراحها بعد. فمنذ محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة في خريف 2004، وصولاً إلى الزلزال الذي هز بيروت في 14 شباط / فبراير 2005 باغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، كان هذا النوع من المتفجرات هو السلاح المفضل لإسكات الأصوات المطالبة بالسيادة واستقلال القرار الوطني. وعلى مدار عقد كامل، حصدت العبوات الموجهة والمفخخات قافلة من الشهداء، من بينهم سمير قصير، وجورج حاوي، وجبران تويني، وبيار الجميل، واللواء وسام الحسن، ومحمد شطح.
وحين تقترن هذه المواد بقرارات المحكمة الخاصة بلبنان، التي أدانت رسمياً كوادر بارزة من حزب الله في التخطيط والتنفيذ لجريمة اغتيال الحريري، يصبح القلق الشعبي والسياسي مبرراً ومشروعاً؛ فالقضية ليست مجرد مخالفة لنقل مواد خطرة، بل هي مؤشر خطير على احتمال إعادة تفعيل "ماكنة الاغتيال" كوسيلة لترهيب الداخل وفرض موازين قوى جديدة في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة وتراجع النفوذ الميداني لمحور الممانعة.
لكن الخطر الداهم لا يتوقف عند حمولة الشاحنة، بل يمتد إلى كيفية تعاطي السلطة اللبنانية مع الملف بعد الضبط؛ حيث تحولت القضية سريعاً إلى ساحة صراع محتدم بين منطق العدالة وضغوط التستر السياسي:
الالتفاف على "المجلس العدلي" نحو القضاء العسكري: سارع وزير العدل عادل نصار إلى طلب إحالة القضية إلى "المجلس العدلي"، وهو أعلى هيئة قضائية جنائية في لبنان تختص بالجرائم الواقعة على أمن الدولة الداخلي، وتتميز أحكامها بأنها مبرمة وعلنية ولا تخضع للمساومات الاستئنافية. إلا أن إحالة الموقوفين والمضبوطات في البداية إلى القضاء والشرطة العسكرية أثارت هواجس عميقة؛ فالقضاء العسكري في لبنان ظل تاريخياً عرضة لضغوط توازنات القوى، وثمة خشية مبررة من استخدامه كمقبرة قضائية للملف، عبر حصر التهم في جنح نقل مواد دون ترخيص، أو تبرئة المتورطين بدعوى العمل المقاوم.
محاولات استرداد المتفجرات والتغطية الحزبية: كشفت كبرى الصحف اللبنانية عن ممارسة قيادات في حزب الله ضغوطاً خلف الكواليس على مراجع أمنية وقضائية لاستعادة الشحنة المصادرة، بزعم حاجتها في معارك الجنوب. وقد ترافق ذلك مع تصريحات علنية للنائب إبراهيم الموسوي اعتبر فيها أن الحزب "ليس لديه ما يخجل منه"، وهي محاولة صريحة لفرض حصانة سياسية وقسرية فوق القانون وترهي من يحاول تنفيذه، وتحويل جريمة تهريب المتفجرات بين المناطق الآمنة إلى "حق مشروع" لا يخضع لمساءلة أجهزة الدولة.
الفيتو الدولي وتحذيرات الحظر: وفقاً لمعلومات أمنية متقاطعة، اصطدمت محاولات التمييع بتحذيرات غربية ودولية صارمة وجّهت للحكومة اللبنانية من مغبة إعادة المواد المتفجرة للحزب أو إغلاق التحقيق دون محاسبة، مشيرة إلى أن أي خطوة من هذا النوع ستعد دليلاً قاطعاً على تواطؤ الدولة، وستنسف مصداقية التزاماتها الدولية وتعرّض مساعدات الجيش اللبناني للخطر.
هنا يطرح السؤال المحوري نفسه بإلحاح: هل تُعد السلطة اللبنانية متواطئة مع هذا التعدي الصارخ على أمن مواطنيها، أم أنها مجرد سلطة عاجزة ومسلوبة الإرادة؟
تاريخياً، ارتبطت أجنحة داخل مؤسسات الحكم بالتحالف القوي وتوفير الغطاء المتبادل مع السلاح غير الشرعي لقاء تقاسم النفوذ والمصالح والمكتسبات الطائفية، وهو ما يغذي الاتهام بالتواطؤ المباشر في حال تم الاكتفاء بتوقيف السائقين الصغيرين وإسدال الستار على التحقيق دون استدعاء الرؤوس المدبرة والمشغلين الحقيقيين للشخصين "ساجد" و"ذو الفقار".
إلا أن الجانب الآخر من المشهد يكشف عن عجز هيكلي وإكراهي تعيشه حكومة الرئيس نواف سلام؛ فالدولة كعادتها تتذرع بأنها تخشى أن يؤدي فتح المواجهة القضائية والأمنية الشاملة مع حزب الله إلى تفجير السلم الأهلي الهش وافتعال صدام أهلي داخلي، وهذا ما يمنح حزب الله حصانة كاملة تمنع عنه أية محاسبة. هذا التردد الرسمي هو الذي يمنح الانطباع بالتواطؤ؛ إذ إن الصمت وغياب الشفافية والامتناع عن إعلان الوقائع للرأي العام يفرغ قرارات مجلس الوزراء بحظر الأنشطة العسكرية من مضمونها، ويحول الدولة من حامٍ لأمن اللبنانيين إلى شاهد زور على استباحة أراضيهم.
إن الرد السياسي والشعبي المطلوب لم يعد يحتمل التردد؛ فالسلطة مطالبة برفع السرية فوراً عن نتائج التحقيقات، والتثبت من هوية الشبكات العابرة للحدود التي تستغل معابر التهريب غير الشرعية في الهرمل لضخ الموت إلى الداخل اللبناني. كما أن الشارع اللبناني، بمختلف أطيافه وقواه الحية، مدعو إلى كسر جدار الصمت ورفض استخدام مناطقه وطرقاته شرياناً لتهريب المتفجرات تحت أي ذريعة، فالسيادة لا تتجزأ، وحياة المواطنين لا يمكن أن تخضع لحسابات المساومة والابتزاز.
أفق مسدود بين نار الاحتلال ومأزق السلاح
يختزل مشهد شحنة "ضهر البيدر" المأساة اللبنانية المتواصلة في مشهد قاتم ويتسم بانسداد شبه كامل. فالبلاد اليوم محاصرة بين نارين لا تعرفان الرحمة: من جهة، آلة الحرب الإسرائيلية التي تواصل تدمير قرى وبلدات الجنوب، مستغلة غياب الردع لتطبيق سياسة الأرض المحروقة والاغتيالات وتدمير مقومات العيش، دون أي مؤشر جدي لوقف إطلاق النار أو احترام سيادة لبنان وقرارات الأمم المتحدة.
ومن جهة أخرى، إصرار حزب الله على التمسك بسلاحه المنفلت وأجندته الإقليمية المرتبطة جذرياً بمحور طهران، فارضاً معادلة تجعل الدولة اللبنانية رهينة أبدية لحروبه ومغامراته، ومحوّلاً الطرقات العامة إلى حقول ألغام متحركة تهدد أمن العائلات والمدن الآمنة.
وفي وقت تعلن فيه الدولة اللبنانية سعيها إلى استعادة زمام المبادرة عبر مفاوضات بطيئة وشاقة لوقف العدوان الإسرائيلي وتثبيت الاستقرار على الحدود الجنوبية، تأتي قضية متفجرات ضهر البيدر لتضع مصداقية هذا المسار الدبلوماسي والدستوري برمته على المحك. فالقضية لم تعد تفصيلاً أمنياً عابراً، بل هي المحطة الفاصلة التي ستحدد ما إذا كانت مؤسسات الدولة قادرة بالفعل على فرض سيادتها كمرجعية وحيدة تحمي اللبنانيين وتفاوض باسمهم، أم أن سطوة السلاح غير الشرعي وقنوات التهريب ستظل قادرة على نسف جهود التهدئة وتقويض سلطة القانون، ليبقى لبنان ساحة مكشوفة ومتفجرة وتتحكم بها الشاحنات المفخخة وحسابات المحاور التي لا يدري المواطن متى تنفجر في وجهه، ومن يملك قرار الضغط على صاعقها.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook