الدكتور دريد بشرّاوي: بكركي مرجعية وطنية ودورها حماية الكيان ومواجهة منطق الهيمنة

الدكتور دريد بشرّاوي: بكركي مرجعية وطنية ودورها حماية الكيان ومواجهة منطق الهيمنة

 

أجرى اللقاء: نبيل شحاده

في ختام هذا الحوار العميق، يضع الدكتور دريد بشرّاوي الإصبع على الجرح في تقييمه لدور الصرح البطريركي (البطريركية المارونية) تاريخياً وراهناً، داعياً إياه إلى حمل العصا في وجه منطق الهيمنة والتسويات التي تبقي الخلل قائماً، والتزام دور المظلة الجامعة لشؤون الكيان والمسيحيين. كما يتناول بالتقييم مسار الأحزاب السياسية المسيحية، داعياً إياها إلى نفث غبار الأحقاد والانقسامات، والعودة إلى تبني مشروع وطني وسيادي جامع لا يختزل القضية بكرسي الرئاسة. ويختتم الدكتور بشراوي رؤيته باستشراف بصيص الأمل الحقيقي الذي ينطلق بلا مواربة من استعادة الدولة لسيادتها، وتفعيل القرارات الدولية، وتطهير القضاء، وإفساح المجال أمام اللبنانيين ليقرروا مستقبلهم بحرية تامة وبعيداً عن أي إكراه سلاح أو هيمنة.

 

السؤال السابع: كيف تقرؤون أداء ودور البطريركية المارونية راهناً في حماية الكيان اللبناني والثوابت الوطنية؟ وهل ترون أن بكركي ما زالت قادرة على لعب دور المظلة الحامية للمسيحيين ولبنان الكيان؟

 

الجواب: للبطريركية المارونية دور تاريخي بارز في حماية الوجود المسيحي والدفاع عن الكيان اللبناني. ففي عام 1919، ترأّس البطريرك القدّيس الياس الحويّك الوفد اللبناني الثاني إلى مؤتمر الصلح في باريس، وقدّم في 25 تشرين الأول مذكرة تطالب بالاعتراف باستقلال لبنان وتوسيع حدوده. وقد أسهمت جهوده في المسار الذي انتهى بإعلان دولة لبنان الكبير في الأول من أيلول 1920، في إطار الانتداب الفرنسي، قبل تحقق الاستقلال سنة 1943. ولم يحصر الحويّك صفته التمثيلية بالموارنة؛ إذ تحدّث باسم المجلس الإداري وباسم السكان المطالبين بالانضمام إلى لبنان من دون تمييز طائفي. ومع أن المشروع لم يحظَ يومها بإجماع جميع الجماعات، فإن قرار المجلس الإداري في أيار 1919 تضمّن المطالبة بنظام ديمقراطي يضمن حقوق الأقليات والحرية الدينية، بما يسند فكرة وطن تتشارك فيه جماعاته المختلفة.

وفي عهد البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، برز هذا الدور مجدداً في الدفاع عن السيادة والشراكة. فقد طالب نداء المطارنة الموارنة في 20 أيلول 2000 بإعادة انتشار الجيش السوري تمهيداً لانسحابه النهائي، مع التأكيد على علاقات أخوّة سليمة بين لبنان وسوريا.

ومن هذا التاريخ يمكن استخلاص مسؤولية وطنية لبكركي اليوم: الدفاع بوضوح عن استقلال الدولة وسيادتها، وعن حضور المسيحيين ودورهم الفاعل في مؤسساتها، ضمن شراكة تحفظ حقوق جميع اللبنانيين وتصون الكيان الذي يجمعهم.

فالوجود المسيحي في لبنان يواجه اليوم تحديات مصيرية: هجرة الشباب، والتدهور الاقتصادي، وتراجع التعليم والرعاية الاجتماعية، وانقسامات سياسية تستنزف المسيحيين في صراعات على المواقع والزعامة. لكن الأخطر من ذلك كله هو اختلال ميزان القوة في البلاد بفعل وجود سلاح خارج سلطة الدولة، يُلقي بظله على القرار الوطني وعلى حرية اللبنانيين وأمنهم. وفي ظل هذا الواقع، لا يكفي تكرار الحديث عن العيش المشترك كأنه حقيقة قائمة بذاتها. فالعيش المشترك يفقد معناه حين يُطلب من طرف أن يتعايش مع الخوف والتهميش، وأن يقبل بالأمر الواقع من دون قدرة فعلية على الاعتراض. لا يجوز أن يصبح المسيحيون كأنهم أهل ذمة في وطنهم، ولا أن يشعر أي مكوّن لبناني آخر بأن وجوده وحقوقه رهن بموازين القوة.

لذلك أرى أن على بكركي أن تهز عصاها، لا ضد اللبنانيين بعضهم بعضًا، بل في وجه منطق الهيمنة والتسويات التي تُبقي الخلل قائمًا. عليها أن تقول بوضوح إن حماية الكيان اللبناني تقتضي قيام دولة صاحبة القرار، يُحصر السلاح بيد مؤسساتها الشرعية، ويكون المواطنون فيها أحرارًا ومتساوين فعلًا. وعليها أن تضغط لجمع القيادات المسيحية حول رؤية واضحة لحماية الوجود المسيحي ومستقبله، بدل استنزافه في المنافسة على رئاسة الجمهورية والمناصب والمصالح الضيقة. ولا تستقيم هذه المطالبة من دون أن تعزز الكنيسة الشفافية والمحاسبة داخل مؤسساتها، وتوجّه إمكاناتها نحو مساعدة العائلات والشباب على البقاء في لبنان، ولا سيما عبر دعم التعليم والرعاية الاجتماعية.

نعم، ما زالت بكركي قادرة على لعب دور المظلة الحامية للمسيحيين وللبنان الكيان، لكن ذلك يتطلب موقفًا شجاعًا وصريحًا. فلا قيمة لشعار العيش المشترك إذا استُخدم للتغطية على السلاح والتهميش، ولا تُصان كرامة المسيحيين بالمجاملات أو بالمقايضات السياسية. المطلوب من بكركي أن تسمّي الأمور بأسمائها، وأن تدافع عن حق المسيحيين، وحق جميع اللبنانيين، في دولة لا يعيش فيها أحد خائفًا أو مهمّشًا أو مواطنًا من درجة ثانية.

 

السؤال الثامن: كيف تقيمون أداء وقراءات القوى والأحزاب المسيحية السياسية في لبنان؟ وهل قدمت ما يصب في حماية الوجود المسيحي ومصالحه العليا، أم أنها غرقت في الحسابات الضيقة والمحاصصة التي أضعفت هذا الدور في المشرق؟

 

الجواب: لا يمكن وضع القوى والأحزاب السياسية المسيحية كلّها في خانة واحدة. فهناك أحزاب لها تاريخ نضالي في الدفاع عن المناطق المسيحية والوجود المسيحي وعن سيادة لبنان واستقلاله، ولا سيّما في مواجهة الوجود الفلسطيني المسلّح والاحتلال السوري. وقد قدّمت شهداء وتضحيات لا يجوز التنكّر لها. وفي المقابل، هناك قوى تعاملت مع الاحتلال السوري، ثم تحالفت مع حزب الله ووفّرت غطاءً مسيحيًا لسلاحه، ودخلت في صفقات ومحاصصات على حساب السيادة والاستقلال. لكن هذا التمييز بين تاريخ الأحزاب وخياراتها لا يلغي مشكلة مشتركة تطال الحياة الحزبية المسيحية في عمقها.

في رأيي، لم تعد غالبية هذه الأحزاب أحزابًا عقائدية بالمعنى الفعلي للكلمة. فالحزب العقائدي لا يُقاس بما يكتبه في نظامه أو يرفعه من شعارات، بل بثباته على مبادئه حين تتعارض مع مصالح قيادته. أمّا حين تُبدَّل المواقف تبعًا للتحالفات الظرفية، ويُساوَم على شعارات السيادة من أجل حصة أو منصب أو طريق إلى رئاسة الجمهورية، فإنّ العقيدة تتحوّل إلى لافتة، فيما يصبح السعي إلى السلطة هو العقيدة الحقيقية.

ولا تقف المشكلة عند تبدّل المواقف. فهذه الأحزاب، وإن تحدّثت عن الديمقراطية، لا تمارسها غالبًا داخل صفوفها. يُربّى المنتسبون على الولاء للزعيم أكثر مما يُشجَّعون على مناقشة أفكاره ومحاسبة قراراته. وتُعامل رئاسة الحزب كأنّها ملك خاص أو إرث عائلي: ينتقل الموقع إلى ابن المؤسّس، أو إلى صهره أو شقيقه أو أحد أفراد العائلة. وإذا تجرّأ عضو على النقد، عُدّ ذلك خروجًا على الزعيم، لا مساهمةً في تصحيح مسار الحزب. فأيّ عقيدة تبقى إذا صار القائد فوق النقد، وإذا تحوّل الحزب إلى وسيلة لحماية زعامته وتوريثها؟ وأيّ ديمقراطية تلك التي لا تظهر إلّا في النصوص والبيانات؟

هذه الذهنية تمتدّ إلى الحياة السياسية المارونية عمومًا. فكثيرون ممّن يدخلون الشأن العام، سياسيًا كان أم عسكريًا، سرعان ما يتطلّعون إلى زعامة المسيحيين وإلى سدّة رئاسة الجمهورية. ويشتدّ هذا الطموح حين يختلط بإرث العائلات الإقطاعية وبيوت المشايخ والبكوات والباشوات، فتبدو الزعامة وكأنّها حقّ ينتقل من الأجداد إلى الآباء فالأبناء، لا مسؤولية تُكتسب ويُحاسَب صاحبها عليها. وعندئذٍ يصبح الحزب، في بعض الأحيان، غطاءً حديثًا لعقلية قديمة تقوم على التوريث والاستئثار بالقيادة.

 

هنا تكمن علّة العلل: حين تصبح الزعامة والرئاسة غايةً بحدّ ذاتهما، يتحوّل التنافس بين الأحزاب إلى صراع يستنزف المسيحيين ويعمّق انقساماتهم. وقد أسهم هذا الصراع في تشرذمهم وتراجع دورهم في وطن كان لهم إسهام أساسي في بنائه. ورغم انحسار صلاحيات رئيس الجمهورية بعد اتفاق الطائف، بقي السباق إلى الكرسي محمومًا، كأنّ الوصول إليه أهمّ من السؤال عمّا يستطيع الرئيس فعله فعلًا لإدارة الدولة وصون سيادتها.

والأشدّ إيلامًا أنّ السعي إلى هذا الكرسي دفع بعض القوى إلى تقديم تنازلات تمسّ سيادة الوطن وحرية قراره، وإلى القبول بنفوذ سلاح مرتبط بإيران مقابل أملٍ بالوصول إلى كرسي فارغ إلّا من خشبه واللوحات المعلّقة على جدرانه. فأين ذهبت التضحيات والمعاناة؟ وأين قضية المخفيين في غياهب السجون السورية؟ وأين شعارات الحرية والسيادة التي رُفعت سنوات طويلة؟ كيف أصبحت قضايا بهذا الحجم قابلة للمساومة من أجل منصب؟

ولا يقتصر ثمن هذا السباق على التنازلات التي تُقدَّم قبل انتخاب الرئيس. فالمرشّح الذي يتعهّد مسبقًا لجهة نافذة بمواقف تمسّ السيادة يصل إلى القصر مثقلًا بالتزامات تجاه من دعمه. فكيف يمارس دور الحكم، أو يدافع عن قرار الدولة الحرّ، إذا بات الوفاء لتلك الالتزامات شرطًا لبقائه السياسي؟ هكذا قد يتنازل الساعي إلى الرئاسة عن جزء من دورها قبل أن يجلس على كرسيها.

 

وقد ظهرت آثار الانقسام المسيحي بوضوح في الاستحقاق الرئاسي الأخير. فمن وجهة نظري، كان من المفترض أن يكون الدكتور سمير جعجع مرشّحًا قويًا وجدّيًا لرئاسة الجمهورية، بالنظر إلى تمثيل القوات اللبنانية الواسع وثقل كتلتها النيابية، ولا سيّما على الساحة المسيحية. لا أقول إنّ الرئاسة حقّ شخصي له، بل إنّ هذا التمثيل كان يستحقّ أن يُترجم منافسةً رئاسية حقيقية. غير أنّ الانقسامات المسيحية أضعفت القدرة على خوض هذه المنافسة، فانتهت القوى المسيحية إلى القبول بخيار رئاسي رأى كثيرون أنّ التوافق عليه تأثّر بإرادات عربية ودولية، بدل أن ينبع من تفاهم مسيحي حرّ يعبّر عن وزنها الانتخابي.

ومن هنا يبرز سؤال لا يجوز التهرّب منه: لماذا لا تكون للمسيحيين الكلمة الفصل سياسيًا، عبر ممثّليهم المنتخبين، في اختيار رئيس الجمهورية؟ ولماذا تستطيع القوى الممثِّلة للطوائف الأخرى أن تؤثّر تأثيرًا حاسمًا في اختيار من يتولّى رئاسة مجلس النواب أو رئاسة الحكومة، بينما يبدو تأثير القوى المسيحية مشتّتًا وضعيفًا عند اختيار رئيس الجمهورية؟

سيُقال إنّ رئيس الجمهورية رئيس جميع اللبنانيين، وهذا صحيح. لكن رئيس مجلس النواب ورئيس الحكومة يتولّيان أيضًا مسؤوليات تخصّ لبنان كلّه، لا طائفتيهما وحدهما. وليس المطلوب إلغاء الآليات الدستورية أو منع سائر النواب من المشاركة في اختيار الرئيس؛ المطلوب أن يُحترم الوزن الذي تمنحه صناديق الاقتراع للمسيحيين وممثّليهم، وأن يمتلكوا القدرة السياسية على تحويل هذا الوزن إلى كلمة مؤثّرة، بدل أن يبدّدوه بصراعاتهم ثم يشكوا من فرض الخيارات عليهم.

وهذا يعيدنا إلى مسؤولية الأحزاب نفسها. فبدل أن تتفاهم على المبادئ الأساسية والمعايير التي يجب أن تتوافر في الرئيس، ينشغل بعضها بإقصاء بعض. وبدل أن تتّحد دفاعًا عن المصالح المسيحية العليا، تتسابق على الزعامة والسلطة، فتُضعف قدرتها على التفاوض وتفتح الباب أمام الآخرين لحسم الاستحقاقات نيابةً عنها. لا تنشأ قوة المسيحيين من تشابه آرائهم أو اجتماعهم في حزب واحد؛ فالتنوّع مطلوب. لكنّها تنشأ من إدراكهم أنّ اختلافهم لا يجوز أن يتحوّل إلى أداة لإلغاء دورهم الجماعي.

والنتيجة أنّ المسيحيين، بدل أن يجتمعوا حول مشروع يحفظ حضورهم شركاء فاعلين في وطنهم، باتوا مجموعات متفرّقة يُضعف بعضها بعضًا. ويتعمّق لديهم الشعور بالتهميش في الإدارات والوزارات والمؤسسات العسكرية والأمنية، فيما تُستهلك طاقاتهم في معارك على مواقع لا تعيد إليهم دورهم ولا تحمي مستقبل أبنائهم.

إلى متى تبقى الأحزاب المسيحية أسيرة طموحات شخصية إلى زعامة باتت، في كثير من الأحيان، ورقية؟ وما نفع رئاسة بلا جمهورية فعلية؟ وما نفع الجلوس على كرسي الرئاسة إذا لم يكن شاغله قادرًا على التأثير في القرارات المصيرية؟ إنّ حماية الوجود المسيحي لا تختصرها الرئاسة، مهما بلغت أهميتها؛ بل تبدأ بصون السيادة والحرية والهوية، وببناء مؤسسات عادلة وفاعلة، وبإعطاء الشباب سببًا للبقاء في وطنهم.

لذلك فإنّ الأحزاب المسيحية مدعوّة إلى مراجعة نفسها قبل مطالبة الآخرين بالاعتراف بدورها. عليها أن تعود أحزابًا تحمل مبادئ واضحة وتلتزم بها، وأن تمارس الديمقراطية وتداول المسؤوليات داخل صفوفها، وأن تنبذ عقلية التوريث وتأليه الزعيم وسردية «الزعيم دائمًا على حق». وعليها أن تفتح المجال للمصارحة والنقد البنّاء، وأن تجعل المصلحة العامة أعلى من طموح أيّ قائد إلى الزعامة أو رئاسة الجمهورية.

لا أدعو إلى صهر المسيحيين في بوتقة سياسية واحدة، بل إلى جمعهم حول قضايا لا ينبغي أن يختلفوا عليها: مستقبل المسيحيين ووجودهم وتفعيل دورهم، سيادة الدولة، وحرية قرارها، والشراكة العادلة فيها، ورفض التبعية والمحاصصة. عندها تصبح الأحزاب أدوات للدفاع عن الكيان والحقوق وبناء مستقبل لجميع اللبنانيين، وتصبح الرئاسة وسيلةً لخدمة هذا المشروع، لا كرسيًا تُبدَّد في سبيله التضحيات ويُورَّث للأجيال المقبلة مزيدٌ من الانقسام.

 

السؤال التاسع: ختاماً، وسط هذا السواد المخيم على المشهد العام، أين ترون بصيص الأمل أو نقطة البداية الحقيقية لإنقاذ الكيان اللبناني ولا سيما الوجود المسيحي، وإعادة بناء دولة المؤسسات والقانون التي طال انتظارها؟

 

الجواب: نعم، الوضع بالغ الخطورة، والخوف على الكيان اللبناني وهويته، وعلى الوجود المسيحي فيه تحديداً، ليس مبالغة. لكن بصيص الأمل يبدأ، في رأيي، من تسمية أسباب الانهيار بلا مواربة، ثم من امتلاك الجرأة على معالجتها. فلا إنقاذ للبنان ما دامت الدولة تتخلّى عن سيادتها، وما دام قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها، وما دامت المنظومة السياسية تتقاسم الحكم مع الميليشيا المسلحة، ويؤمّن قسمٌ منها الغطاء السياسي لنفوذها في الداخل والخارج.

لقد انعدمت ثقتي بهذه المنظومة. فقد أطلقت الوعود باستعادة الدولة وبالإصلاح، ثم تنكّرت لها أو أخفقت في تنفيذها. والأخطر أن بعض أطرافها لا يكتفي بالتخاذل أمام السلاح الخارج عن سلطة الدولة، بل يشاركه الحكم ويستفيد من بقائه. لذلك لا يكفي أن تتبدّل الوجوه أو أن تُلقى خطابات جديدة؛ فالثقة لا تُستعاد إلا بقرارات واضحة تُنفّذ وبمسؤولين يخضعون للمحاسبة. ولا يجوز الاستمرار في التذرّع بحماية العيش المشترك تارةً، والخوف من الحرب الأهلية تارةً أخرى، لتأجيل القرارات المصيرية إلى ما لا نهاية. فالعيش المشترك الحقيقي لا يقوم تحت وطأة السلاح، ولا يستقيم إذا خضع طرفٌ لإرادة طرف آخر بقوة الأمر الواقع.

والسيادة لا تنفصل عن العدالة. لا دولة مؤسسات وقانون من دون قضاء مستقل يلاحق الفاسدين والمفسدين، وناهبي المال العام وأموال المودعين، والمتورطين في تبييض الأموال والاغتيالات السياسية، أياً تكن مواقعهم وانتماءاتهم. ولا يجوز أن تبقى المحاسبة شعاراً انتقائياً يُرفع في وجه الخصوم ويُطوى عند الحلفاء. فالإفلات من العقاب هو أحد الأسباب التي أوصلت لبنان إلى ما هو عليه.

من هنا، أرى أن البداية الحقيقية تقتضي خطة واضحة ومُلزمة لحصر السلاح بيد الدولة، وتفعيل قرار مجلس الأمن رقم 1559، الذي دعا إلى حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية ونزع سلاحها. وإذا استمر تعطيل تنفيذه، فلا بد من العمل سياسياً ودبلوماسياً على استصدار قرار أممي جديد يضع آلية تنفيذية محددة لهذا القرار، بتفويض واضح وضمن القانون الدولي، تتيح لقوة أممية التدخل بالتعاون مع الجيش اللبناني لنزع سلاح الميليشيات، ولو اقتضى تنفيذ المهمة استخدام القوة المأذون بها. وينبغي أن تكون غاية هذا التدخل حماية المدنيين وتمكين المؤسسات اللبنانية من استعادة سلطتها ولا سيما حصر السلاح بيدها وقيادة مفاوضات حرة وغير مقيدة مع اسرائيل بهدف ارساء سلام عادل ومتواز وانسحاب القوات الاسرائيلية من الجنوب وتحييد لبنان عن كل صراعات المنطقة، لا فرض نظام سياسي على اللبنانيين.

وعندما يصبح اللبنانيون أحراراً من ضغط السلاح ومن هيمنة المنظومة المرتهنة له، يمكنهم أن يقرروا مصيرهم السياسي بأنفسهم، في ظل ضمانات وحماية دولية لحرية النقاش والاختيار. عندئذٍ يجب أن يُفتح حوار جدي حول صيغة الحكم. إذا كانت اللامركزية الموسّعة قادرة على ضمان الشراكة الفعلية وحماية الخصوصيات، فلنُنجزها. وإذا لم تعد الصيغة الحالية قابلة للحياة، فلا يجوز أن يكون البحث في الفيدرالية الحقيقية محرّماً. أما إذا استُنفدت فرص بناء دولة مشتركة عادلة، فلا يجوز استبعاد البحث في انفصال ودّي وسلمي، يقوم على إرادة حرة واحترام متبادل للحقوق والخصوصيات. لكن لا معنى لأيٍّ من هذه الخيارات، ولا شرعية حقيقية له، ما دام طرف يفرض إرادته بالسلاح.

وأقول أيضاً إن المسيحيين ليسوا معفيين من المسؤولية. لقد أضعفتهم انقساماتهم، وحروبهم العبثية، وصراعاتهم على السلطة ورئاسة الجمهورية. لذلك أدعو القوى المسيحية إلى تجاوز الأحقاد وتشكيل جبهة تجمعها حول القضايا السيادية والمصيرية، على غرار الجبهة اللبنانية التي ارتبط اسمها برجالات دولة وشخصيات مسيحية بارزة، أمثال كميل شمعون، وبيار الجميل، وبشير الجميل، والأباتي شربل قسّيس، والأباتي نعمان، وشارل مالك، وفؤاد إفرام البستاني، وجواد بولس، وسعيد عقل، وشاكر أبو سليمان. والمقصود ليس إلغاء التعدد أو التنافس بين الأحزاب المسيحية، بل الاتفاق، على الرغم من هذا التنافس، على مشروع يحفظ الوجود المسيحي ودوره للأجيال المقبلة، ويتيح التعاون مع جميع اللبنانيين المؤمنين بسيادة الدولة وحكم القانون.

ومن منظور مسيحي، لا يمكن أن يكون الخوف وحده مشروعنا، ولا أن يتحوّل تمسّكنا بحقوقنا إلى إنكار لحقوق الآخرين. الدفاع عن الوجود المسيحي يعني أيضاً الدفاع عن الحرية والكرامة والعدالة لكل إنسان والمساواة في الحقوق والواجبات، ورفض الهيمنة من أي جهة أتت. فالشهادة المسيحية التي يحتاجها لبنان اليوم تجمع بين الشجاعة في قول الحقيقة، والإصرار على المحاسبة، ورفض الانتقام، والعمل من أجل سلام قائم على العدل لا على الخضوع.

هنا أرى بصيص الأمل: في استعادة السيادة ومحاسبة المسؤولين، وفي قيام جبهة مسيحية تتفق على الخيارات المصيرية وتنفتح على شركائها في الوطن، ثم في إتاحة الفرصة للبنانيين كي يختاروا، بحرية كاملة ومن دون سلاح أو إكراه، الدولة التي يريدون العيش فيها. والسؤال الذي يواجه القيادات المسيحية اليوم هو: هل تستطيع تجاوز صراعاتها لتتحمّل هذه المسؤولية، أم تترك الانقسام يبدّد ما تبقّى من دورها وحضورها؟

في ختام هذا الحوار، أتوجّه بخالص الشكر والتقدير إلى موقع «نستراك»، وإلى الأستاذ نبيل شحاده، القيّم عليه، على هذه الاستضافة الكريمة. لقد أتحتم لي فرصة ثمينة للتعبير بحرية وصراحة عن آرائي ومواقفي في قضايا تتصل بمستقبل لبنان، وتشغل بال كثيرين من أبنائه. وأقدّر لكم إفساح هذا المجال للحوار، ولا سيما في زمن نحتاج فيه كلبنانيين إلى أن نناقش اختلافاتنا بوضوح ومسؤولية، وأن نصغي بعضنا إلى بعض.

أشكركم مرة أخرى على اهتمامكم وحسن متابعتكم، وأتمنى لموقع «نستراك» مزيداً من التوفيق والتقدّم والنجاح، وأن يواصل حضوره مساحةً للحوار والفكر والرأي الحر. لكم مني ألف تحية، وكل التقدير.
 

الدكتور دريد بشرّاوي

أستاذ القانون الدولي الجنائي في جامعة ستراسبورغ في فرنسا، ومستشار في المحكمة الجنائية الدولية، محام عام دولي أسبق في المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، ومحام عام أسبق في فرنسا ومحام بالنقض والاستئناف.