الدكتور محمد منصور: لغة كنانة العربية تفكك أسرار التوراة وتكشف أصل التحريف

الدكتور محمد منصور: لغة كنانة العربية تفكك أسرار التوراة وتكشف أصل التحريف

 

أجرى اللقاء: نبيل شحاده
شكلت اللسانيات المفتاح الأهم لإعادة قراءة الذاكرة التاريخية، إذ التقت استنتاجات الدكتور محمد مصطفى منصور مع إشارات المستشرق حاييم مناحيم رابين حول التشابه اللافت بين لهجة قبيلة كنانة الأولى وعبرية التوراة. ولغة التوراة دُوّنت بلسان عربي قديم جرى تحريفه قراءة وتفسيراً لا نصاً، بفعل العوامل التاريخية واضطهاد اليهود في فلسطين إبان العصر السلوقي وقتل العلماء الملمين بقراءة النصوص القديمة بالطريقة الصحيحة. ومن خلال قراءة النصوص بالطريق الصحيحة واستدراك أخطاء الترجمات السبعينية والآرامية، تبلورت ملامح كتابَيّ "التوراة الحجازية" و"التراث المأثور"، ليتحقق إنجاز بحثي غير مسبوق يضع النصوص التوراتية في نصابها اللغوي والجغرافي الصحيحين
.

 

3- تقول إن أسفار موسى دُوّنت بلهجة عربية قديمة، لهجة قبيلة كنانة الأولى، فكيف استطعت كشف هذا السر اللغوي؟

جواب: وضع المستشرق حاييم مناحيم رابين قبل نحو تسعين سنة كتاباً مهمًا عن لهجات غرب الجزيرة العربية، وعندما وصل إلى لهجة قبيلة كنانة، تحدث عن " تشابه لافت بين لهجة كنانة واللغة العبرية القديمة، أي لغة التوراة"، وليست اللغة التي يتكلمونها الآن في فلسطين، لأن هذه الأخيرة مستحدثة، ومبنية على مفردات توراتية، مع كثير من الكلمات الدخيلة من الآرامية واليديشية؛ وهي لغة يهود شرق أوروبا. واليهود يدركون هذا الأمر ويعترفون بوجود اللغة العبرية التوراتية واللغة الحديثة.

وبينما قواعد اللغة التوراتية شبه مطابقة لقواعد العربية الحديثة، بما في ذلك كون الجملة فعلية، فنحن بالعربية نقول: ذهب الولد إلى المدرسة، بينما صُممت اللغة الإسرائيلية المستحدثة لتحاكي التفكير الغربي فجاءت الجملة إسمية، ومثال ذلك أنه بالإنكليزية يُقال: (to school The boy went) أي (الولد ذهب إلى المدرسة)، فنحن نبدأ بالفعل، وهم يبدؤون بالاسم. وحاييم رابين حام حول الحمى ولكنه لم يقع فيها، وهذا بسبب تنشئته الصهيونية التي تعتبر أن أحداث في التوراة من أول التاريخ لآخره كلها كانت في فلسطين.

ونعود للعبرية التوراتية؛ فهي لهجة غرب الجزيرة، وبالذات لهجة قبيلة كنانة القديمة. وحتى لا ندخل في التعقيدات، أسميتها كنانة الأولى، لأنها كانت موجودة بعشائرها في تهامة عندما وصل نبي الله إبراهيم إلى منطقة مكة التي لم تكن أرضاً فارغة وقاحلة وخالية من السكان كما يُشاع، وأنه أول من سكنها هو سيدنا إسماعيل مع أمه هاجر، وأن قبيلة يمنية مهاجرة اسمها جرهم توقفت لتطلب الماء. هذا الكلام كله لا أصل تاريخي له، ولا يوجد في كل تاريخ اليمن قبيلة اسمها جرهم، كما لا يوجد نقش واحد يحمل اسم قبيلة جرهم. وأنا تتبعت هذا الخبر لعله كان مأخوذاً من التوراة، وتتبعت كل السلالات الأولى والعشائر الأولى، فتبين معي أن ما يعتقدون أنه قبيلة جرهم المذكورة في التوراة هو "يراخ"، وهو اليوم اسم منطقة قي اليمن.

وإبراهيم عندما وصل إلى غرب الجزيرة تكلم بلهجة كنانة، وبأسفار التوراة يقولون إننا نتحدث ب "شفة كنعان" أو لسان كنعان، ويُقصد به اللغة أو اللهجة السائدة التي كانت مستخدمة في منطقة كنعان التاريخية. ومن خصائص لهجة كنانة هي تخفيف العين؛ فكنعان تُلفظ كنانة، والعمارة يلفظونها أمارة، والملك عوج يسمونه وج، ووادي فرعة يسمونه وادي الفرات، وهذا من الخلط الذي وقع به اليهود، فقرأوا الأسماء كلها بطريقة خاطئة.

وتفاقم الوضع أكثر في عهد السلوقيين الذين قضوا على كل الذين كانوا يعرفون قراءة اللغة القديمة. وإمعاناً في الإشكال، عمل السلوقيون توراة جديدة باللغة الآرامية مترجمة عن السبعينية اليونانية التي ترجمها اثنان وسبعون حبراً وعالماً يهودياً أُرسلوا من أورشليم إلى مدينة الإسكندرية بأمر من الملك بطليموس الثاني، وحافظوا فيها على ترجمة أمينة للأسماء. بينما غيَّر السلوقيون الأسماء بعد نحو قرن ونيف عندما ترجموا التوراة من السبعينية اليونانية إلى الآرامية، فقالوا إن أرض كنعان هي فلسطين، وأرض آرام هي سوريا، ومصر هي بلاد القبط، وبذلك ضاعت الجغرافيا التوراتية الحقيقية.

وبقراءة النصوص بطريقة صحيحة، ظهرت أسماء العشائر والمواقع الجغرافية الصحيحة. وقدمت هذه النتيجة إلى الدكتور كمال الصليبي في صيف العام 2011، أي في السنة التي توفي فيها. وتفصيل ذلك أنني أخذت له الإصحاح 16 من سفر التكوين وفيه قصة هاجر وسارة، وخريطة بدائية لمكة رسمها رشيد عمر سنبل الذي انتُدِب من ديوان الملك عبد العزيز للعمل مع هاري سانت جون فيلبي الذي صار لاحقاً بعد إسلامه عبد الله فيلبي، وظهرت في هذه الخريطة ثلاثة مواقع وردت في الإصحاح 16.  وسألت الدكتور الصليبي: ما هي اللغة التي كتبت بها التوراة؟ فأنت قلت إن التوراة جاءت من جزيرة العرب، فكم لغة كانت محكية في جزيرة العرب في تلك الأيام وحسب بحثك؟ فقال لي: لغة واحدة، ولما سألته: ما هي؟ قال لي: العربية. فقلت له: إذًا لماذا لم يخطر على بالك أن لغة النصوص التوراتية كانت العربية؟ وأنت تعرف اللغتين الآرامية والعبرية! فسألني: دكتور منصور، ماذا أتيت تقول لي؟ فقلت: أتيت لأقول بأن النصوص مكتوبة بلغة عربية قديمة، وسأقرأ لك من الإصحاح 16، لا تفسيرًا ولا ترجمة، بل بلغة النص الأصلية، ولما قرأته له، ذهل لما سمعه وقال: هذه فكرة عجيبة. وقلت له: وهذه الخريطة تبين لك أن سارة وهاجر كانتا معًا في منطقة مكة، وليس كما يُشاع أن هاجر كانت في مكة وسارة كانت في فلسطين.

في الإصحاح 16 ثلاثة مواقع: البُرود، وقادس، والحي راء، وأن الحي راء تقع بين البرود وقادس. فقلت للدكتور إن البُرود هي ماء البرود، وهي آخر محطة على طريق زبيدة لقوافل الحجاج بين الكوفة ومكة، وموجودة إلى اليوم بنفس الاسم. والحي راء هي جبل حراء أو جبل النور الذي كان سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام - يتحنَّث (يتعبّد) فيه قبل نزول الوحي عليه. وقادس من أسماء مكة القديمة، ومكة لها أكثر من أربعين إسماً بحسب المؤرخين أمثال تقي الدين الفاسي، ومحمد بن إسحاق الفاكهي وأبو الوليد الأزرَقي، وتبين لي بعد ذلك أن الكثير من هذه الأسماء لمكة مأخوذة من العهد القديم. عندئذ طلب مني الدكتور الصليبي أن أترك عنده أوراق الاصحاح والخريطة، لأنه يريد أن يقوم بمراجعة نظراء للعمل، على أن يتصل بي لاحقاً.

وبعد نحو أربعين يوماً، كلمني الدكتور محمود شريح الذي كان حاضراً في اللقاء الأول، وقال لي إن المعلم يود أن تزوره. فذهبت إليه، وأخبرني "أن الشيء الذي قمت به غير مسبوق تماماً، وهذا العمل يجب ألا يبقى ضمن الأدراج، وإحداثياتك أفضل من إحداثياتي. وأنا اتفق معك واقتنعت بما توصلت إليه بأن اللغة العربية القديمة هي لغة التوراة العبرية. وقال لي أيضاً: أكمل البحث، ولا تشاركه مع أحد من المختصين، لأنهم سيحاولون إحباطك. وقال أيضًا: "أكمل كما بدأت، وعندما يكتمل العمل إنشره، ومن ثم أرسله للمختصين". هذا الكلام شهد عليه التلاميذ الذين كانوا موجودين بالبيت عند الدكتور الصليبي قرب الإنترناشونال كوليدج في رأس بيروت، وطلب من الدكتور شريح المتابعة معي لإنهاء العمل ونشره. وبالفعل عملت عليه حتى نشرت كتابي الأول في شباط 2020 وهو "التوراة الحجازية".

أما العمل الأكبر وهو "التراث المأثور"، والذي كنت قد بدأت فيه في بداية العام 2001فقد أكملته في فترة الجائحة نهاية العام 2022؛ بعد أن أخذت إجازة من عملي في الطب امتدت لعام وثمانية أشهر. ونقلت في الكتاب كل النصوص التاريخية من العهد القديم، فكتبتها بالخط العربي في السطر الأول بخط مفكوك، وبالسطر الثاني كتبت طريقة القراءة، يعني مثل التجويد، ومن عاش في جزيرة العرب أو من له دراية باللهجة الخليجية أو البدوية سيتبين له أنها لهجة عامية، وفي السطر الثالث كتبت التفسير باللغة العربية الفصحى. وكل صفحة فيها ثلاثة وثلاثون سطراً، وفي إحدى عشرة مجموعة ثلاثية الأسطر.

 

4- ما الذي دعا أصلاً إلى هذا التحريف الكبير والتغيير الجذري في موضوع لغة ومكان التوراة عبر التاريخ؟

جواب: سؤال ممتاز، أي عربي أو مسلم عندما تذكر له التوراة، يقول لك فوراً إنها محرّفة. القرآن الكريم تكلّم عن تحريف، فما هو مفهوم التحريف؟  يوجد أربعة من كبار الأئمة المسلمين: ابن عباس ترجمان القرآن، ووهب بن منبّه وهو من التابعين، والإمام البخاري، والإمام ابن تيمية بالفتاوى. الأربعة هؤلاء يقولون إن التحريف يدور على القراءة والتفسير، وليس على النص؛ لأنهم يقولون إن النص هو من الذكر المحفوظ. جاء في القرآن الكريم: "إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"، والقرآن يفسّر بعضه بعضاً، فالذكر ليس هو القرآن فقط؛ لأنه بالنص القرآني جاء أيضًا: "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ". الزبور هو الكتاب الذي تنزل على سيدنا داوود ودُوّن بخط الزبور وهو خط لين استُخدم في كتابة لغة عرب الجزيرة القدماء على الجلود، ومثله صِيَغت للنقوش من أمثال خط المسند الشهير، والذكر الذي قبل كتاب سيدنا داوود هو التوراة؛ كتاب سيدنا موسى. وما قمت به هو العمل على تلافي التحريف المشار إليه؛ فأعدت قراءة نصوص العهد القديم التاريخية قراءة جديدة بشكل لم يسبق له مثيل، ب 28 حرفاً سامياً. واللغة السامية أكثر ما تكون ممثلة اليوم باللغة العربية؛ التي استوعبت اللهجات العبرية والآرامية والجعزية، وهي الأجدر بالاستعمال لقراءة النصوص القديمة.

وكما أجبنا على السؤال السابق، فأهل التوراة؛ بنو إسرائيل الأوائل كانوا عشائر عربية من ذرية سيدنا إبراهيم، وهو عربي من الجزيرة وليس من مواليد العراق. يقولون بأنه وُلدَ في أور الكلدان. ولم يكن هناك كلدان في أيامه، إذ هو من مواليد القرن العشرين قبل الميلاد. في زمانه كانت هناك الدولة الأكادية في العراق، تلتها الدولة البابلية ثم الآشورية، وبعدها أخيرًا جاءت دولة الكلدان في القرن السابع قبل الميلاد، أي أن بينها وبين سيدنا إبراهيم نحو 1200 - 1300 سنة.  وبالقراءة الصحيحة، فهو من مواليد حائر الخِلدان، وفي مواضع أخرى يقولون إنها آرام النهرين، ماذا تعني آرام؟ آرام هي المنطقة العالية، يعني بمفهومنا اليوم هي نجد. وآرام الأنهار، بالجمع، هي أرض السيح في منطقة الخرج جنوب الرياض اليوم؛ لأن العيون كانت تسيح فيها على وجه الأرض حتى العصور الحديثة. والحاير هو في الخرج، ويمثل اليوم البوابة الجنوبية لمدينة الرياض الحالية.

في بحثنا الجنة الأرضية على أيام سيدنا آدم كانت في منطقة عسير، والنهر الكبير الذي ينقسم لأربعة فروع، هو ما يسمى اليوم وادي الدواسر، وهو من أعظم الوديان في شبه الجزيرة العربية، إذ تجتمع فيه أربعة وديان عظيمة: وادي تربة، ووادي رنية، ووادي بيشة، ووادي تثليث. وقوم سيدنا نوح كانوا بمنطقة الطائف، والطوفان حصل على إثر فوران فوهة الوعبة في شمال الطائف، وهي ثاني أكبر فوهة بركانية في الشرق الأوسط بعد فوهة عدن، وهي حفرة بركانية في الأرض وليست جبلًا بركانيًا، وفي القرآن: "فإذا فار التنور"، والتنور كما يقول ابن عباس هو "الحفرة في الأرض"، وهي فعلاً حفرة في الأرض، قطرها كيلومتران ونصف، وعمقها يصل إلى300 متر. وهي عندما فارت قبل 3800 سنة تقريبًا، كانت الإشارة لسيدنا نوح بأن يُدخل عائلته وأولاده والحيوانات الأليفة التي لديه إلى الفلك.

انتقلت السفينة بفعل الجاذبية من قرب جبل الحجاز غربًا إلى جبل العارض في منطقة الرياض شرقًا، بعد أن تكوّنت بحيرة مؤقتة بقيت نحو ستة شهور حتى تصرفت المياه؛ وتفسير ذلك أن منطقة جبل الحجاز أعلى من منطقة العارض، ومنطقة العارض أعلى من منطقة الخليج العربي؛ وتصفية مياه البحيرة التي تكونت من المطر المتواصل لمدة اربعين يوماً وليلةً عبر وديان الرمة شمالًا ونخلة غربًا ووادي الدواسر جنوبًا، فانتقلت الفلك من المنطقة العالية إلى المنطقة الأدنى وحطت على جبل العارض على مستوى الدرعية غربي الرياض. أما القول بأن الفلك حط على جبل أرارات في شرقي الأناضول، فيعود، بلا أدنى دليل، إلى موسى الحراني من القرن الخامس الميلادي. أما الأرمن فيسمون هذا الجبل مسيس، والأتراك يسمونه أغري داغ، أما اسم أرارات فلم يرد في كتابات اليونان ولا الرومان، والقراءة الصحيحة لاسم الجبل هي ما صار "العارض".

 جاء في القرآن الكريم "وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ".  وإلى اليوم في الدرعية هناك درب الجودي الذي يخرج من الرياض إلى المنطقة الشرقية. والخلاصة، أن نوحًا وصل إلى منطقة نجد، وبعده من ذريته كان قوم إدريس بمنطقة فيد في حائل، حيث كانت بداية الأبجديات، إذ إن أقدم نقوش في شبه الجزيرة العربية هي نقوش جُبّة بمنطقة حائل. وبعدهم كانت عاد؛ قوم النبي هود في منطقة اليمامة ووادي الدواسر جنوب الرياض، وإلى اليوم توجد هناك آثار تعرف بقصيرات عاد. ثم جاءت ثمود "وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ "، أي حفروا الجبوب وهي الأقنية التي تجري تحت الأرض في منطقة الأفلاج كي لا تتبخر مياه الري بسبب ارتفاع الحرارة وخاصة في الصيف.

وصالح بحسب النص التوراتي هو الجد السادس لإبراهيم عليه السلام. وهاجر والد إبراهيم من حائر الخِلدان، وهم بنو خالد، والخوالد كما كتب ابن خلدون من عشائر عاد ورهط هود، وهم من أقدم القبائل في الجزيرة العربية، وكانوا بمنطقة اليمامة، وفي منطقة خيران وليس حاران في وادي الدواسر. ومن خيران هاجر إبراهيم ولوط إلى مكة.

ترك إبراهيم هاجر وابنه إسماعيل في وادي مكة، حيث كان يقيم في مواسم الحج، أما باقي السنة فكان يقيم مع سارة وإسحق في وادي حلية متعان، حوالي 180 كيلومترًا جنوب مكة، وكان عنده أراض وقطعان من الغنم والماعز والبقر. كذلك كان الجب الذي أُلقي فيه يوسف فيما بعد قرب حلية متعان، من حيث أخذه الإسماعيليون إلى مصر الحقيقية وهي ليست وادي النيل الحالي. وبقي مسار القوافل هو نفسه إلى عصر الإسلام، في رحلتي الصيف إلى بُصرى في حوران الشام، ورحلة الشتاء إلى اليمن والحبشة. ولذلك كان العرب في مواسم الجفاف في جزيرة العرب يذهبون الى مناطق فيها مياه جارية بشكل دائم. وكانت منطقة اللجوء لأهل مكة الحبشة حيث البحيرات والأنهار مثل النيل الأبيض والأزرق وعطبرة، ولم تكن لهم من علاقات مع بلاد القبط ولا قوافل لتذهب إليهم.

ونعود إلى اللغة الآرامية التي ابتدأت في نجد، والآراميون الأوائل هاجروا إلى الجزيرة الفراتية في شمال سوريا ويلاد الرافدين عبر باديتي الشام والسماوة، ثم انتشروا في كامل سوريا الطبيعية. وفي غرب الجزيرة انتشرت ذريات حام ومنهم كنعان أو كنانة، وإبراهيم كان يتكلم اللغة الآرامية القديمة، وهي اللغة السامية الأولى والأقدم وبقيت إلى أيام نوح وإدريس وهود وصالح ثم قوم إبراهيم. وعندما انتقل إبراهيم إلى منطقة مكة اختار أن يتكلم بلهجة الكنعانيين/الكنانيين أهل الأرض لأنه عرف بأن أرضهم ستكون دياره وديار ذريته للأبد.

وإلى اليوم ما زالت هناك لهجة لأهل نجد ولهجة لأهل الحجاز. وحتى في القراءات القرآنية توجد قراءة حفص عن عاصم وهي قراءة أهل نجد، وقراءة ورش عن استاذه نافع الليثي الكناني. ومن العصر العثماني غلبت في المشرق وبلاد النيل قراءة حفص، أما في شمال إفريقيا من ليبيا وتونس والجزائر حتى المغرب ودول غرب الصحراء فما زالت القراءة السائدة هي قراءة ورش. إذن، اللغة التي كتبت بها أسفار العهد القديم كانت كلها لهجة كنانة؛ وهي لهجة أهل غرب الجزيرة، ودونت بالخط الزبوري الذي هو الخط الثمودي أو الأبجدية الأولى المؤلفة من 28 حرفًا.

الدليل على أن الأبجدية الفينيقية التي هي الآرامية القديمة أتت من الجزيرة وليس من شواطئ المتوسط هو أن الحرف الثالث وهو الجيم شكله واسمه جمل. ويمكن رؤية ذلك اليوم على ورقة الألف ليرة اللبنانية التي عليها الأبجدية الفينيقية. أما حرف الألِف، ويرمز للحيوان الأليف فهو على شكل رأس ثور، وحرف الباء هو للبيت؛ وهو على شكل بيت صغير. 

الفينيقيون أتو إلى شرق المتوسط في القرن الرابع عشر قبل الميلاد ونعرف من القرن الحادي عشر قبل الميلاد أن أبجديتهم كانت موجودة على ناووس أحيرام ملك جبيل، ولا يوجد إثبات على أنهم اخترعوها في لبنان أو شرق المتوسط، والدليل أن الدكتور وليام أولبرايت وهو عالم أثار أمريكي ومعلم ديني وفقيه لغوي وحاصل على درجة الدكتوراه من جامعة جونز هوبكنز عام 1916 في الولايات المتحدة، درس المنطقة كلها وخصوصاً عظام الحيوانات، وتبين معه أنه قبل القرن الحادي عشر لم يكن هناك إبل لا في وادي النيل ولا بلاد الرافدين ولا في كل سوريا. فالجمل لم يُستعمل في سوريا إلا في العصر الروماني، وفي بلاد الرافدين إلا من العصر الأشوري، أي بعد ما غزا الآشوريون جزيرة العرب.  وفي بلاد النيل لم يعرف الجمل إلا في أيام الملك الفارسي قمبيز الذي لم يتمكن من الاستيلاء على مصر في عام 525 قبل الميلاد، إلا بمساعدة العرب الذين حملوا له قُرب الماء على ظهور جمالهم حتى يتمكن من قطع صحراء سيناء. 

يقول الطبري، نقلًا عن إبن الكلبي، أنه في غزوة نبوخذ نصر لغرب الجزيرة العربية حصل سبي لأهلها إلى بابل، وأضاف الهمداني في كتاب صفة الجزيرة، نقلًا عن ابن عباس، عن حصول تدمير واسع فيها. فالسبي البابلي لبني إسرائيل كان من منطقة مكة. أما الأعداد ففي آخر سفر الملوك الثاني أن المسبيين ناهزوا العشرة آلاف، بينما في سفر عزرا أن العائدين لاحقًا ناهزوا 42 ألفًاّ! والجدير بالذكر أن تعداد السكان في آخر أيام سيدنا داوود، قبل نبوخذ نصر بأربعة قرون، دل على أنه كان يقارب المليون وثلاثمئة ألف شخص، وقبيلة يهوذا كانت القبيلة الرئيسية الكبرى في الأرض. فالذين تهجّروا كانوا قلة، بينما الأغلبية بقيت في ديارها.

في ذلك الزمان كان بنو إسرائيل العرب وكان العدنانيون أولاد عمهم اللدودين.  العدنانيون حاربوا نبوخذ نصر بداية ثم صالحوه فعيّنهم أوصياء على الجزيرة، ومع مرور الوقت اضطرت كل القبائل للدخول تحت عباءة العدنانيين وغيّرت أسماءها حتى لا تتكشف أصولها الإسرائيلية/ اليعقوبية. وهنا نشير إلى أن منطقة الجزيرة العربية لم تكن بلاد جهالة، ففي منطقة الطائف كان هناك قبل ظهور الإسلام جامعة للعلوم الإنسانية حسب مفهومنا اليوم، ويقام في عكاظ، على مقربة منها، مهرجان ثقافي في كل عام قبل موسم الحج، لكن بعد الإسلام أُحرق كل التراث الجاهلي بسبب مفهوم خاطئ لمقولة أن "الإسلام يجبّ ما قبله"، فقضي على كل شيء. وهذا ما حصل أيضاً في زمن نبوخذ نصر، فالعدنانيون أحرقوا كل شيء عائد لشريعة موسى التوحيدية، وبدأت الجاهلية الثانية، ففقد أهل اللغة النصوص. ونفس الشيء حصل مع مسلمي الأندلس، لأن الإسبان بعدما تغلبوا على المسلمين في عام 1493 ميلادية، قالوا بأن من يريد أن يحافظ على دينه عليه الرحيل، وأن من أراد المحافظة على أرضه فعليه أن يتنصّر. وظنت الأكثرية أنها تستطيع إبطان التوحيد مع إظهار الشرك، لكن الأمر لم ينجح معها إلا لفترة لم تزد عن قرنين، ثم ضاع بعدها دين الأجداد.  

فيهود القرن السادس قبل الميلاد أبطنوا الإيمان وأظهروا الكفر لفترة من الزمن ، ثم ضاع دينهم في الجاهلية، لكن الذين انتقلوا إلى فلسطين تمسكوا بدينهم وأصبحوا يتحدثون بالآرامية، ثم اضطهدوا في العصر السلوقي وأحرقت كل كتبهم، ولو لم يكن لدينا الترجمة السبعينية لكان الوضع صعباً جداً. لكن نسخاً من هذه الكتب أخفيت ثم عادت للظهور في العهد البيزنطي مع التسامح الذي ساد مع اعتناق قسطنطين الأول للمسيحية. وقتها ساد الاعتقاد أن المسيحية ما هي إلا هي امتداد لليهودية والعهد القديم، وكثير من الصلوات كانت من كتاب المزامير. وظهرت لدى جاليات يهودية في ثلاث قرى في منطقة الناصرة في الجليل "المشناه" وهي تفاسير التوراة الشفوية، ثم وضعوا التلمود الفلسطيني ثم ذهب أحد تلامذتهم إلى العراق حيث وُضع التلمود البابلي فيما بعد. ولاحقًا في فلسطين قرروا اظهار الكتب المخفية واحياء اللغة والنصوص القديمة، وهم لم يكونوا يعرفون اللغة العربية إذ كانوا على قطيعة مع العرب.

وكان ثمة اعتقاد بأن العبرية لغة كنعانية فلسطينية مندثرة، فظلوا من القرن الرابع إلى القرن الثاني عشر بعد الميلاد يحاولون قراءتها حرفياً بإثنين وعشرين حرفا، بينما كان المطلوب قراءتها كلغة عربية بثمانية وعشرين حرفاً.

الجدير ذكره أن العزير الذي جمع أسفار التوراة في القرن الخامس كان معاصراً لهيرودوت (أبو التاريخ) الذي كتب تاريخ الفينيقيين وسكن المنطقة مدة سبعِ سنواتٍ. كانت بدايته قي صور ثم انتقل إلى بلاد النيل وكتب تاريخها، ثم ذهب إلى بابل التي كانت أهم مدن العالم، وكتب تاريخها من تاريخ السومريين إلى الإخمينيين الفرس، وهو دون التاريخ بتفاصيل دقيقة حتى الملل عن البلاد، ولو كان بنو إسرائيل / اليهود في فلسطين لكتب عنهم وعن أنبيائهم وملوكهم ومدنهم، لكن ذلك لم يحصل. وهذه من المعضلات التي ذكرتها في كتبي؛ والتي تمكنت من حلها وإبراز الحقائق حولها.

الجزء الثاني: وقائع التوراة حصلت في مكة وتهامة والحجاز

الجزء الأول: هكذا بدأت رحلتي في البحث عن حقيقة جغرافيا التوراة