حرب أوكرانيا: فرص التسوية الشاملة برعاية أميركية تبدو شبه منعدمة

حرب أوكرانيا: فرص التسوية الشاملة برعاية أميركية تبدو شبه منعدمة

 

نستراك - مع دخول الحرب الروسية الأوكرانية عامها الخامس وما رافقها من استنزاف ميداني واقتصادي، تصاعدت التساؤلات في العواصم الكبرى حول إمكانية أن تفرض الولايات المتحدة مخرجاً دبلوماسياً سريعاً يضع حداً لنزاع شرس هو الأول من نوعه تشهده القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد اكتسب هذا النقاش زخماً استثنائياً في الأيام الأخيرة عقب الإعلان المفاجئ للرئيس الأميركي دونالد ترامب عن سريان "هدنة في قطاع الطاقة"، بالتوازي مع إبرام تفاهمات تجارية لشراء كميات ضخمة من وقود الديزل الروسي. المشهد السياسي والميداني الراهن هذا، كشف عن هوة سحيقة تفصل بين ما ترغب واشنطن به من إغلاق لملف الحرب سريعاً وبين التعقيدات المتعددة التي تحكم مصير هذا الصراع.


وبينما أعلن الرئيس الأميركي التوصل إلى وقف لإطلاق النار يشمل منشآت الطاقة، سارعت موسكو إلى استهداف محطات التوليد وشبكات الكهرباء في العاصمة كييف وخاركيف وزابوريجيا بضربات جوية ومسيرات مكثفة أوقعت ضحايا مدنيين وتسببت في انقطاعات كهربائية واسعة.  وفي المقابل، جاء الرد الأوكراني حازماً على لسان الرئيس فولوديمير زيلينسكي، الذي نفى علمه بأي تفاصيل مسبقة للاتفاق، مؤكداً استعداده لوقف الضربات فقط في حال التزام روسي ملموس، ولم تتوقف الطائرات المسيرة الأوكرانية عن استهداف وحدات التقطير الحيوية في مصافي النفط الروسية، والتي ألحقت أضراراً بالغة بقدرات التكرير في العمق الروسي. هذا التناقض الصارخ يعكس حقيقة أن أياً من الطرفين المتحاربين ليس في وارد التخلي عن أدوات الضغط التي يملكها دون مقابل استراتيجي وضمانات أمنية لا لبس فيها.

الإدارة الأميركية اتجهت نحو ممارسة ضغوط قصوى على كييف، شملت التهديد بمراجعة إمدادات السلاح والتعاون الاستخباراتي لوقف استهداف المصافي الروسية. وتزامن ذلك مع إصدار وزارة الخزانة ترخيصاً يتيح استيراد مئات الآلاف من أطنان الديزل الروسي لتطويق أزمة الوقود والتضخم التي تفاقمت إثر التصعيد العسكري ضد إيران وقبيل انتخابات التجديد النصفي.

غير أن هذه المقاربة التي اشتمّ منها رائحة الانتهاز والمنفعة، أحدثت تصدعاً عميقاً في الجبهة الغربية؛ إذ اعتبر الاتحاد الأوروبي على لسان مسؤولة سياسته الخارجية كايا كالاس أن شراء النفط الروسي يقدم شريان حياة مالي لتمويل العدوان، في حين شدد وزير الدفاع البريطاني ويس ستريتينغ في تصريحات على أن لندن ترفض هذه الخطوة وتتمسك بتشديد العقوبات، في وقت تدرك العواصم الأوروبية أن محاولة واشنطن شراء تهدئة عابرة على حساب المبادئ الأمنية الراسخة تهدد بتفكيك منظومة الردع الجماعي لحلف الناتو وتفتح الباب أمام نفوذ روسي قد يتوسّع في القارة الأوروبية.


هل تلوح في الأفق نهاية قريبة بإشراف أميركي؟

الإجابة الموضوعية عن هذا التساؤل تقتضي التمييز الصارم بين إنهاء الحرب وتجميد القتال، لأن فرص التوصل إلى تسوية سلمية شاملة ونهائية بإشراف أميركي تبدو شبه منعدمة في المدى المنظور لعدة اعتبارات جوهرية، وهي:

 

أولاً: تتمسك أوكرانيا باستعادة سيادتها والحصول على ضمانات أمنية ملزمة تمنع تجدد الغزو، معتبرة التنازل عن الأراضي أو القبول بنزع السلاح بمثابة انتحار وطني. وفي المقابل، لا يبدو الرئيس فلاديمير بوتين مستعداً للتراجع عن شروطه المتمثلة في تثبيت السيطرة على الأقاليم المحتلة، وفرض حياد أوكرانيا الدائم، وإبعاد البنية العسكرية للناتو عن حدوده.

 

ثانياً: على الرغم من امتلاك واشنطن ورقة المساعدات العسكرية، فإن استخدامها لإكراه أوكرانيا قد يدفع كييف وأوروبا إلى تبني مسار دفاعي أكثر استقلالية وأكثر تشدداً في مواجهة التصلّب الروسي الذي يرفض تقديم أية تقدم تنازلات جوهرية.

 

ثالثاً: أثبتت تجربة "هدنة الطاقة" الأخيرة أن أي إعلان لا يستند إلى اتفاقيات موقعة وقوات مراقبة دولية محايدة يبقى حبراً على ورق وينهار أمام أول استحقاق ميداني.

 

وبناءً على ذلك، فإن الضغوط الأميركية الراهنة لن تحقق سلاماً حقيقياً أو تسوية عادلة، بل تهيء فقط مساراً يشمل تجميداً هشّاً على النموذج الكوري، ويقضي بوقف المعارك على طول خطوط التماس دون اعتراف قانوني بالحدود الجديدة، وتحويل الجبهة إلى منطقة باردة منزوعة السلاح ولو تخلّلها خروقات عابرة.


خلاصة القول، لا تبدو في الأفق المنظور أي نهاية حقيقية أو مستقرة تشرف عليها الولايات المتحدة لإنهاء الحرب الأوكرانية. فالحروب التي تمس مباشرة معايير السيادة الوطنية وتقترب من مصالح القوى العالمية لا تُحسم عبر صفقات تجارية مؤقتة أو إعلانات أحادية عبر منصات التواصل الاجتماعي. وأمام استعصاء الحسم العسكري واستحالة التسوية السياسية العادلة حالياً، تتجه الحرب نحو مرحلة استنزاف مديدة أو هدنة باردة محفوفة بالمخاطر، يظل فيها الأمن الأوروبي والعالمي رهينة لحسابات القوة والقدرة على الصمود الطويل.