بسام خضر آغا: الدولة وحدها تحمي اللبنانيين، وعلى القوى السيادية تجاوز المصالح الشخصية

بسام خضر آغا: الدولة وحدها تحمي اللبنانيين، وعلى القوى السيادية تجاوز المصالح الشخصية

 

أجرى اللقاء: نبيل شحاده

يُعد الأستاذ بسام خضر آغا من الشخصيات السياسية اللبنانية البارزة التي شهدت وعاشت تحولات كبرى في كواليس السياسة اللبنانية. انطلق من قلب مشروع الجنرال ميشال عون في أواخر الثمانينيات حاملاً قناعات نضالية صلبة، ليتحول لاحقاً إلى أحد أشرس الأصوات التي تنتقد مسار وأداء وانحراف تياره القديم، وصولاً إلى محطات تجلّت فيها القطيعة النهائية بما فيها المحطة الرمزية من خلال التخلي العلني عن وسام ناله في عام 2005.  ومن خلال موقعه الحالي نائباً لرئيس حزب التغيير، وفي الحركة السيادية من أجل لبنان، يحاوره موقع "نستراك" في لقاء مفتوح حول ولائه السابق للرئيس ميشال عون وتياره ومواقفه المستجدة، وأزمة الكيان، ونظام التسويات، ومسؤولية الطبقة السياسية عن الانهيار، وصولاً إلى طبيعة العمل السياسي حالياً في لبنان، والحرمان الذي تعاني منه عاصمة الشمال، وآفاق التغيير وآمال الخلاص من نفق الفوضى والتشتت والانقسام الوطني.

 

الأسئلة

1- كيف بدأت عملك السياسي وما الذي جذبك للوقوف إلى جانب العماد ميشال عون في أواخر الثمانينيات؟ وما هي الوعود والقناعات العميقة التي آمنتُم بها آنذاك؟

جواب:
بدأت العمل السياسي من قناعة، لا من مصلحة، ومن إيمان بأن لبنان لا يمكن أن يبقى رهينة الوصاية والتسويات المفروضة عليه. في أواخر الثمانينيات، كان العماد ميشال عون بالنسبة إلينا عنواناً لمواجهة واقع سياسي وأمني كان يهدد وجود الدولة وقرارها.

ما جذبني يومها كان الكلام عن السيادة، وعن استعادة قرار الدولة، وعن رفض أن يكون لبنان ساحة مفتوحة للآخرين. آمنت بأن هناك مشروعاً وطنياً يمكن أن يعيد للبنانيين دولتهم وقرارهم وكرامتهم.

لم أكن أبحث عن موقع أو مكسب. كنت أبحث عن قضية. ولذلك، عندما شعرت لاحقاً أن المسار بدأ يبتعد عن القناعات التي انطلقت منها، لم أجد نفسي ملزماً بالدفاع عن خيار لم أعد أؤمن به.

 

2- متى أيقنتَ يقيناً تاماً أن عون قد تخلّى عن مشروعه، وما هي التحولات أو الصفقات الخفية التي جعلتك تدرك أن تياره انحرف جذرياً عن الثوابت؟

 

جواب: لم تكن هناك لحظة واحدة، بل كان هناك مسار كامل من التحولات والتراكمات. السياسة يمكن أن تحتمل الاجتهاد، لكنها لا تحتمل أن يتحول المبدأ إلى ورقة تفاوض. عندما بدأت أرى أن العناوين التي حملناها باسم السيادة والدولة تُستبدل بتفاهمات تضع الأولوية لموازين القوى، بدأت أطرح السؤال الحقيقي: هل ما زلنا في المشروع نفسه؟

بالنسبة إليّ، كانت اللحظة الفاصلة عندما أصبح التحالف مع قوة مسلحة خارج الإطار الكامل للدولة جزءاً من بنية سياسية مستمرة، ثم جاء تفاهم مار مخايل ليكرّس معادلة سياسية جديدة.

أنا لا أقول إن كل من شارك في ذلك التفاهم كانت له النيات نفسها، لكنني أقول إن النتيجة السياسية كانت خطيرة: أصبحت الدولة أمام قوة تملك قراراً أمنياً وعسكرياً لا تستطيع المؤسسات الشرعية التحكم به بالكامل. وهنا بالنسبة إليّ انتهت مساحة الصمت.

 

السياسة لا تحتمل أن يتحول المبدأ إلى ورقة تفاوض

 

3- ما هو السبب الرئيس الذي دفعك في عام 2018، للإقدام على تلك الخطوة الرمزية والقاسية ببيع وسام الاستحقاق الذي نلته شخصيا من العماد عون علنياً؟

لأن هناك لحظة يصبح فيها الاحتفاظ بالرمز تناقضاً مع الموقف. الوسام بالنسبة إليّ لم يكن مجرد قطعة معدنية، بل كان يحمل معنى سياسياً وأخلاقياً مرتبطاً بمرحلة وقناعة ومسيرة. وعندما أصبحت أرى أن المسار الذي كنت أكرّمه بهذا الرمز قد ابتعد عن القناعات التي دفعتني إلى النضال أساساً، كان التخلي عنه موقفاً طبيعياً. لم أفعل ذلك انتقاماً من شخص، ولا بحثاً عن بطولة إعلامية. فعلته لأنني أؤمن بأن الإنسان السياسي يجب أن يكون قادراً على دفع ثمن موقفه. قد يخسر موقعاً أو علاقة أو امتيازاً، لكنه إذا خسر قدرته على قول الحقيقة يصبح وجوده السياسي بلا معنى.

 

4- تاريخياً، هل كان اتفاق "مار مخايل" تسوية وطنية حقيقية أم أنه كان بمثابة آلية سمحت بتفريغ السيادة وتسليم القرار الداخلي لجهة إقليمية لا تهتم بمصالح لبنان وسيادته؟

 

جواب: أنا أتعامل مع النتائج لا مع النوايا. أي تفاهم سياسي يمكن أن يكون مشروعاً إذا كان يؤدي إلى تقوية الدولة. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التفاهم السياسي غطاءً لاستمرار ازدواجية السلاح والقرار.

لبنان لا يستطيع أن يكون دولة كاملة وفي داخله قراران: قرار رسمي للدولة، وقرار آخر مرتبط باعتبارات تتجاوز الحدود اللبنانية.

من هنا، أرى أن مار مخايل لم يحل مشكلة السلاح خارج الدولة، بل منح هذه المعادلة غطاءً سياسياً واسعاً لسنوات.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط: لماذا حصل مار مخايل؟ بل ماذا كانت كلفته على الدولة اللبنانية؟ بالنسبة إليّ، الكلفة كانت كبيرة: إضعاف مفهوم السيادة الكاملة، وإبقاء لبنان عرضة لتداعيات صراعات المنطقة.

 

اتفاق مار مخايل منح الغطاء لازدواجية السلاح والقرار

 

5- بعيداً عن العموميات، ما هي الملفات والكواليس السياسية التي تدين بشكل مباشر أداء النائب جبران باسيل وفريقه في هندسة هذا الانهيار غير المسبوق؟

 

جواب: أنا لا أريد أن أختصر انهيار لبنان بشخص واحد، لأن الانهيار مسؤولية منظومة سياسية ومالية وإدارية امتدت لسنوات. لكن في المقابل، لا يجوز إعفاء أي فريق كان شريكاً في السلطة من مسؤوليته السياسية.

بالنسبة إلى جبران باسيل، السؤال الذي يجب أن يُطرح ليس شخصياً: ماذا فعل عندما كان فريقه السياسي في السلطة؟ وما هي الخيارات التي اتُّخذت؟ وما الذي تحقق من الوعود التي قُدّمت للبنانيين؟

أنا أرفض منطق تحويل كل نقد إلى خصومة شخصية. نحن أمام مسؤولية سياسية يجب أن تُقاس بالنتائج.

ولذلك أقول بوضوح: من كان في موقع القرار عندما تراكمت الأزمات، عليه أن يجيب اللبنانيين بوضوح عن حصته من المسؤولية، كما على كل القوى الأخرى أن تفعل. والبلد لا يُنقذ بتبادل الاتهامات، بل بالمحاسبة السياسية والقانونية حيثما تثبت المسؤولية.

 

6- كيف تقرأ التدخل الإيراني المباشر وغير المباشر في الشؤون اللبنانية عبر حزب الله، وهل ترى أن استعادة سيادة الدولة باتت مستحيلة طالما أن قرار السلم والتفاوض مرتبط بأجندة إقليمية خارج حدود الوطن؟

 

جواب: المشكلة ليست في إيران كشعب أو كدولة، بل في أي نفوذ خارجي يتحول إلى قرار داخل لبنان.

أنا أرفض أن يكون لبنان تابعاً لإيران، كما أرفض أن يكون تابعاً لأي دولة أخرى.

السيادة تعني شيئاً بسيطاً وواضحاً: أن يكون قرار الحرب والسلم لبنانياً، وأن يكون السلاح تحت سلطة الدولة، وأن يكون التفاوض باسم الجمهورية اللبنانية من خلال مؤسساتها. وهذا ليس موقفاً موجهاً ضد طائفة أو بيئة أو مكوّن لبناني. بالعكس، حصرية السلاح بيد الدولة تحمي جميع اللبنانيين.

استعادة السيادة ليست مستحيلة، لكنها تحتاج إلى قرار سياسي شجاع. الدولة لا تستعيد صلاحياتها بالتمنيات، بل بإرادة سياسية ومؤسسات قادرة على التنفيذ.

 

حصرية السلاح بيد الدولة تحمي جميع اللبنانيين

 

7- من واقع مسيرتك وتجربتك في معترك النضال، كيف يمكن للعمل السياسي الحر أن يصمد ويستمر في لبنان، في ظل هيمنة طبقة سياسية متماسكة، ودولة عميقة تتحكم بالمفاصل، وقانون انتخابات مفصّل على قياس الزعامات، وانقسام وطني وطائفي حاد يعطل أي أفق حقيقي للإنقاذ؟

 

جواب: الصمود يبدأ من رفض اليأس. السياسة الحرة لا تعيش إذا أصبحت مجرد رد فعل على الآخرين. المطلوب بناء مشروع واضح، وشخصيات لديها استقلالية، وتنظيم سياسي قادر على الاستمرار لا على خوض الانتخابات فقط. نحن بحاجة إلى قوى تقول للناس ماذا تريد أن تبني، لا فقط ماذا تريد أن تهدم.

الدولة، القضاء، الاقتصاد، الجيش، التعليم، الإدارة، العلاقات الخارجية والتنمية، كلها ملفات تحتاج إلى رؤية واضحة. وأنا أؤمن أن المعركة السياسية الحقيقية في لبنان ليست بين طائفة وطائفة، بل بين منطق الدولة ومنطق الدويلة، وبين من يريد دولة قادرة على حماية جميع أبنائها ومن يريد إبقاء لبنان رهينة موازين القوى.

 

8- ما الذي يمنع القوى المعارضة لحزب الله من توحيد صفوفها في ائتلاف موحد وتجاوز حساباتها الضيقة، وكيف تستطيعون اليوم تقديم بديل سياسي جدي وموحد يلامس فعلياً هموم اللبنانيين؟

 

جواب: الذي يمنع القوى المعارضة لحزب الله من توحيد صفوفها في كثير من الأحيان هو حساباتها الصغيرة. كل طرف يريد أن يكون هو رأس المشروع، بينما اللبناني يريد مشروعاً ينقذه.

إذا كانت القوى السيادية تؤمن فعلاً بأن الدولة هي الحل، فعليها أن تتجاوز الحسابات الشخصية والانتخابية الضيقة، وأن تلتقي حول ثوابت واضحة: سيادة لبنان، حصرية السلاح، استقلال القضاء، اقتصاد منتج، محاسبة، وإدارة نظيفة. أنا لا أطالب بتحالف انتخابي ظرفي، بل بتفاهم سياسي على مشروع دولة.

والبديل لا يكون بشعار “ضد حزب الله” فقط. البديل هو أن نقول للبناني: نحن نريد دولة تحميك، قضاءً يحمي حقوقك، اقتصاداً يعطيك فرصة، وجيشاً يكون صاحب القرار الأمني والعسكري.

 

9- من موقعك اليوم في حزب التغيير، كيف تنظر إلى عهد الرئيس جوزاف عون، وهل تعتقد أنه ما زال يمتلك الفرصة والقدرة على تحقيق شيء من وعوده التي أطلقها في خطاب القسم، أم أن بنية المنظومة الحالية تقف حجر عثرة أمام أي تغيير إيجابي؟

 

جواب: أتعامل مع العهد من خلال ما يفعله، لا من خلال ما أتمنى أن يفعله. خطاب القسم وضع عناوين واضحة، من بسط سلطة الدولة إلى مكافحة الفساد وتعزيز استقلال القضاء وحصرية القرار الوطني.

واليوم المطلوب الانتقال من العناوين إلى التنفيذ. وأقول للرئيس جوزاف عون: الفرصة موجودة، لكن الفرص السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد. اللبنانيون لا يريدون خطابات إضافية. يريدون نتائج. يريدون دولة تبسط سلطتها، وقضاءً مستقلاً، وحدوداً مضبوطة، وسلاحاً تحت إمرة الدولة، واقتصاداً يبدأ بالتعافي.

إذا استطاع العهد أن يحول هذه العناوين إلى وقائع، فسيسجل ذلك له. وإذا بقيت العناوين أكبر من الأفعال، فسيكون من حق اللبنانيين أن يسألوا: أين أصبحت الوعود؟

 

من حق اللبنانيين أن يسألوا: أين أصبحت الوعود؟

 

10- كيف تقرأ واقع الحرمان المزمن والمفتعل والممنهج الذي تعاني منه مدينة طرابلس العريقة، وكيف يمكن عملياً إعادة الاعتبار لهذه المدينة العريقة لتستعيد دورها الاقتصادي والإنساني الحقيقي لا مجرد استغلالها موسمياً؟

 

جواب: طرابلس ليست مدينة فقيرة بطبيعتها، بل مدينة أُفقرت. هذه المدينة تملك الموقع، والمرفأ، والطاقات البشرية، والتاريخ، والقدرة على أن تكون بوابة اقتصادية للبنان، لكنها عانت طويلاً من سياسات الإهمال ومن استخدام الحرمان كأداة سياسية. وأنا أرفض أن تبقى طرابلس مدينة يُتذكر أهلها في مواسم الانتخابات ثم تُنسى بعد انتهاء الانتخابات.

طرابلس تحتاج إلى مشروع إنمائي متكامل: المرفأ، المنطقة الاقتصادية، البنى التحتية، النقل، السياحة، الصناعة، التعليم المهني والجامعي، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. لكن الأهم هو تغيير النظرة إلى طرابلس. لا نريد صدقات من الدولة، بل نريد دولة تقوم بواجبها تجاه طرابلس.

هذه المدينة ليست عبئاً على لبنان؛ طرابلس يمكن أن تكون جزءاً من الحل الاقتصادي للبنان إذا أُعطيت الفرصة. وأقولها بوضوح: إنصاف طرابلس ليس منّة من أحد، بل حق لأهلها، ومصلحة للبنان كله.