فائق حميصي: في الصمت بلاغة، وفن الإيماء يفضح الاستهلاك والضجيج

فائق حميصي: في الصمت بلاغة، وفن الإيماء يفضح الاستهلاك والضجيج

 

أجرى اللقاء: نبيل شحاده
في الجزء الثاني من لقائنا مع الأستاذ والفنان فائق حميصي سنتعرف إلى التجربة الأكثر قسوة وعمقاً في مسيرته، وهي مواجهته لسنوات الحرب الأهلية اللبنانية على خشبة مسرح صامتة تتحدى دوي الرصاص والخطاب الطائفي الأعمى. كما يسلط الضوء على تحول الإيماء بين يديه إلى أداة نقدية واعية لا تقدم أجوبة جاهزة، بل تستفز عقل المتفرج وتوقظ فيه قدرات التفكير والتحليل، متأثراً بفلسفة الكاتب والروائي الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز. كما يتناول الحوار تجربته الطويلة أستاذاً للتمثيل والإيماء في الجامعة اللبنانية، صادماً طلابه بضرورة اكتشاف أعماقهم الجسدية والذهنية بعيداً عن التلقين السهل والجاهز. ويختم برؤية استشرافية عميقة لفلسفة "الحركة التي لا تكذب" في مقابل طوفان الاستهلاك الرقمي، مؤكداً أن المستقبل الحقيقي للإنسانية سيقوده الصمت والعمق الحركي لا الثرثرة والضجيج.

 

3- أستاذ فائق، قدمت أعمالك الإيمائية البارزة خلال سنوات الحرب الأهلية في لبنان أواخر السبعينيات والثمانينيات. كيف عشتَ تلك المواجهة بين قسوة الميدان وصمت المسرح؟ ماذا كان يعنيه لك أن تقف على الخشبة صامتاً بينما كان الرصاص والخطاب الطائفي يملآن الشارع؟

جواب: في محاولةٍ للتعايش مع أجواء الحرب ومقاومتها ونقدها دون الاستسلام لها، بدأتُ منذ عام 1983 بتقديم عروضٍ تمجّد الإنسان وفكره ومشاعره. فقدمتُ في ذلك العام عرضاً يعتمد على "التقاسيم الحركية" وتعبيرات اليدين، ليعكس تفاصيل الحياة الإنسانية، والعلاقة بين الرجل والمرأة، والإنسان وظله، وصولاً إلى فكرة التكاتف الاجتماعي. وقد حرصتُ من خلال تلك اللوحات على إبراز كيف تنمو هذه القيم الإنسانية بشكلٍ استثنائي في مجتمعٍ مأزومٍ يملأه العنف، وباتت فيه الحياة رخيصةً جداً. بعد ذلك، انتقلتُ في عام 1986 إلى معالجة قضية أكثر عمقاً؛ إذ صدمتني في لبنان ظاهرة وجود بعض المثقفين والمفكرين الذين يفلسفون الحرب ويبررون مآسيها، بل ويفسرونها كحالة طبيعية وسياق حتمي، وهو ما كنتُ أراه زيفاً وخطيئةً كبرى. ومن هنا ولدت فكرة عرض "إيماء 86"، حيث كنتُ أعتمد الأرقام والسنوات عناوين لعروضي لتوثيق تاريخ ومراحل تطور فكري. وقد تمحور هذا العرض حول جدلية الإنسان والحرب، باحثاً في موقع الكائن البشري وتأرجحه بين وهج الثقافة ومقصلة الحرب.

وظّفتُ في هذا العرض الأقنعةَ لتجسيد شخصيتين رئيسيتين؛ الأولى اعتمرت قناعاً مؤلفاً بالكامل من كتبٍ حقيقية ترمز لكتب الحياة وفكر الإنسان المحاول لفهم معنى الحرب، والثانية ارتدت قناعاً على شكل قنبلة تتحرك بعبثية على خشبة المسرح. وفي الخلفية، صوّرتُ البشر محتجزين داخل فقاعات زجاجية واهمة، هي فقاعات الحرب، ولا يملكون فكاكاً منها، بينما كانت شخصية "القنبلة" تحاول جاهدة استمالة شخصية "الكتاب". وتدرّج الصراع بينهما من التضاد والنفور في بداية المسرحية، إلى نوع من التقارب والصداقة، ثم إلى ما يشبه الحب، وصولاً إلى الذروة الحتمية وهي الانفجار؛ حيث ينفجر المسرح بأكمله في النهاية وتتطاير أوراق الكتب، في إشارة رمزية إلى انتصار الحرب الكاسح. وبالفعل، كنا نعيش في تلك الفترة تحت وطأة واقع مرير يختصره تعبير الفنان زياد الرحباني "هي بلد لأ مش بلد" وكما كان يقال بأن "ولد بمقدوره أن يسكّر بلد". وقد أثار هذا العمل صراعاً فكرياً وموجة نقاشات طويلة وعريضة في المجتمع اللبناني، انعكست بوضوح في المقالات والسجالات التي دارت على صفحات الصحف بين نقاد وصحفيين انقسموا بين مؤيد ومعارض للرؤية التي طرحتُها.

 

 

4- المتفرّج العادي معتاد أن يأتيه المعنى مطبوخاً وجاهزاً في حوار درامي مباشر سواء على الشاشة أو على المسرح. عندما تقدم له مشهداً صامتاً، كيف تحول حركة اليد أو انحناءة الظهر إلى "جملة بليغة" يفهمها من يراقبك دون أن تحتاج إلى ترجمة أو شرح؟

جواب: إنَّ المشاهِدَ الذي تتحدَّثُ عنه، هو ذاته ذلك الإنسان الذي يمكنه الجلوس على شاطئ البحر لساعات طويلة، مستمتعاً بمنظر الموج وهو يتقلب، وينقلب، ويزبد ويُرغي على الرمال، دون أن ينطق البحر بكلمة واحدة. البحر يقدِّم له مشهداً تلو المشهد عن صراع بين الأمواج؛ فهذه موجة عاتية، وتلك موجة خفيفة، ليَجِد المشاهد نفسه من حيث لا يدري منغمساً في حالة شعورية ووجدانية عميقة. ومن هنا، فإنَّ العمل الحركي والجسدي على خشبة المسرح يشبه تماماً حركة هذه الأمواج وتدفقها.

 

علينا أن نتمكَّن، بطريقة فنية رصينة ومثيرة للاهتمام، من جذب انتباه المشاهد وكيفية خَلْق حالات معينة له عبر الحركة دون حاجة إلى لغة الكلام. وهذا الأسلوب متأصل في مجتمعنا؛ فعندما يتخاطب شخص مع آخر من مسافة بعيدة، فإنه يُشير إليه بالحركة، مما يعني أنَّ الإنسان لدينا متأهب بالفطرة لاستيعاب لغة الجسد. لكنَّ ما يهم المتلقي في العمل الفني، سواء أكان محكياً أم صامتاً، هو أن يثير أمامه التساؤلات، وينشِّط لديه القدرة على ابتكار حلول لما يُعرض ويُشرح أمامه؛ فالجمهور لا يحب الأجوبة الجاهزة في المسرح، بل يفضل تشريح الوضع وتركه للتفكير، بينما تؤدي الأجوبة المعلبة إلى تخدير وعيه. وتلك الرؤية تتقاطع مع ما قاله لي الروائي غابرييل غارسيا ماركيز يوماً، رداً على سؤال طرحتُه عليه: "أنت شيوعي، وتقدم ما يخدم الحزب، ولكنك في كتاباتك لا تعتمد الواقعية الاشتراكية التي عرفناها وتعودنا عليها هنا في لبنان كأداة لتحليل الواقع". فأجابني: "بكل سرور، وماذا سينفع الإنسان المضطهد أن نخبره بأنه مضطهد؟ وأنَّ عليه فعل كذا وكذا؟ هذا لن يفيده في شيء، إنَّما الجدوى تكمن في تقديم نصٍّ مكتوب يثير اهتمامه، ويحفِّز لديه القدرة على التفكير، والتحليل، والابتكار في إيجاد الحلول المناسبة.

إذن، الفن عندي هو يشبه كما قلت ما ذكره ماركيز؛ ففي العرض الإيمائي لا أطرح حلولاً، بل أعرض ما هو يجري من حولنا. ومن ذلك أنني قدمت عرضاً باليدين فقط في عام 1988، وكان موضوعه الاحتلال الإسرائيلي للبنان، وما هو دور السلطة العليا، بينما كان الشعب المضطهد على الأرض. الناس فهمت كل شيء في العرض دون أن أنبس بكلمة، ونجحت في أن أوقظ فيهم قدرة التفكير والتساؤل والتحليل.

 

5- أمضيت سنوات طويلة أستاذاً للتمثيل والإيماء في الجامعة اللبنانية، وأنت تلمس أعصاب أجيال متتالية من الطلاب. حين يقف شاب أمامك للمرة الأولى ليكتشف جسده وعضلاته الميتة، ما هي الصدمة الأولى التي تحدثها في وعيه لتخرجه من سجن الكلام إلى رحابة الحركة؟

جواب: هذا سؤال ظريف؛ فقد كان دأبي في أول حصة دراسية لطلاب السنة الأولى في الجامعة أن أوجِّه إليهم عبارة أرددها دوماً: "مَن منكم جاء إلى هنا ليتعلَّم التمثيل؟ يمكنني أن أمنحه الآن شهادة تخرُّجٍ فيه، وليعد إلى منزله". وكنت أُفسِّر لهم مغزى كلامي بعد أن تباغتهم هذه الصدمة الأولى؛ إذ يدخلون القسم شغفاً بتعلُّم التمثيل، فإذا بالأستاذ يصارحهم قائلاً: "أنا لا أستطيع تعليمكم التمثيل، فأنتم تمثِّلون بطبيعتكم كما تريدون، ولا توجد طريقة علمية لتلقين الموهبة". فالتمثيل يرتكز على أداتين تعبيريتين أساسيتين: الصوت والجسد. ومهمتي تكمن في تدريبكم على امتلاك الجسد والقدرة على التعبير به؛ سواء أكان ذلك بالحركة الواسعة أم بالسكون التام في وقفة الممثل الأساسية، وضبط انضباط حركته، بينما يتولى تدريب الصوت تعليمكم أصول النطق والأداء الصوتي.

أما التمثيل كأداء، فهناك الكثير من التمارين المتنوعة في المدارس العالمية المختلفة، ولكن لا توجد واحدة منها تُعلِّم التمثيل بذاته، إنَّما دورها يكمن في تهيئة الجسد، والصوت، والفكر، والذهن. فالإنسان يحتوي دماغه على خلايا لذاكرة تسجِّل كل ما يحدث معنا وتخزِّن ردود أفعالنا؛ ولذا فإنَّ رد فعلنا الأول تجاه أي موقف يكون مبتكراً، أما الردود اللاحقة للموقف ذاته فتصبح تكراراً مستمداً من الذاكرة. ومثال ذلك: عندما تسقط الأمطار لأول مرة، قد تضع يدك فوق رأسك وتبحث عن مخبأ؛ هذا رد فعل فكَّرت فيه في المرة الأولى، لكن كلما تكرر هطول المطر ستقوم بالسلوك ذاته تلقائياً لأنه صار جزءاً من الذاكرة. والتمثيل الحقيقي والابتكار يبدأ عندما تتجاوزون الذاكرة التكرارية؛ ومهمتنا هي تسليحكم بأدوات متماسكة كالصوت والجسد، ودعم هذه الأدوات، ثم وضعكم في مواقف تضطرون فيها للابتكار. نحن لا نُلقِّنكم مبادئ التمثيل وكيفية الأداء، إنَّما نُهيِّئكم كي تبتكرون عبر تنمية قدراتكم الذهنية والتعبيرية بالجسد والصوت.

الصدمة الكبرى تكمن في رمي المسؤولية كاملةً على عاتق الطلاب؛ إذ كنتُ أقول لهم: "هذه جامعة وليست مدرسة، والجامعة تجمع أشخاصاً يمتلكون خبرةً وطاقات مثلكم، مع رجلٍ لديه خبرة وتجربة مثلي لكي نتبادل هذه الخبرات. بناءً على هذا المفهوم نتعامل ونلتقي في هذا المعهد، ولسنا في مدرسةٍ تقليدية نُلقِّنكم فيها كيف تُمثِّلون.

 

6- الإيماء من حيث المبدأ هو فن ناقد، وغالباً ما يحمل سخرية لاذعة من السلطة والنفاق الاجتماعي دون أن ينطق بحرف. إلى أي حد كانت نظرة المجتمع اللبناني والعربي لهذا الفن تتأرجح بين الاستخفاف والريبة، وهل سخِرت من السياسيين كما هم سخروا من عقول الناس؟

جواب: يا سيدي، عبر التاريخ، منذ أن بدأنا ندرس الفن وفقاً للمنطق الأوروبي الذي يهيمن على مناهجنا، الإيماء كان في الشرق الأقصى كالصين واليابان والهند هو الأساس، حيث لا وجود للمسرح المحكي الكلاسيكي كمسرح شكسبير بل يتربع الإيماء هناك بصفته جوهر الأداء، ودون الدخول في هذا النقاش الآن، لنتحدث عن المسرح كما عرفناه في أوروبا وتاريخه اليوناني. وبحكم تعاقب القوى التي احتلت المنطقة العربية لفترات طويلة، من يونان ورومان وأوروبيين وأتراك، فقد اختلطت المؤثرات الثقافية ببعضها البعض. ومن هنا، يمكننا القول إنَّ الإيماء هو فن المضطهَدين بالدرجة الأولى عبر التاريخ؛ ففي العصر اليوناني (نحو ثلاثمئة عام قبل الميلاد) ومع بدايات المسرح الإغريقي على يد 'سوفوكليس' و'يوريبيديس' وغيرهما، كان المسرح يخضع لإنتاج السلطة وإدارتها لتكريس مفاهيمهم عن القدر وقوة الآلهة التي تُسيِّر شؤون البشر، بينما كان الجمهور يدخل العرض كمستمعٍ ومستسلمٍ لتفسير ما يحدث له في مجتمعه.
فالإيماء هو فن المضطهَدين؛ وهو إيماء عامة الشعب الذين كانوا ممنوعين من التمثيل داخل المسارح؛ إذ اقتصر الأداء في الداخل على النبلاء، ولم يكن يُسمح لعامة الناس بتجسيد أدوار الملوك أو الآلهة. ونتيجة لذلك، كان الشعب في الخارج يصنعون نوعاً من السخرية والمحاكاة المتهكمة لما يشاهده النبلاء في الداخل، فكانوا يدهنون وجوههم بالأصباغ ويقدمون عروضاً تهريجية في الشوارع دون أن ينطقوا بكلمة واحدة، تجنباً لاتهامهم بتقليد النبلاء. ومن هنا كانت شرارة المسرح الصامت (الإيماء)، لينتقل بعدها إلى السيرك في بدايات عهد التوحيد وظهور المسيحية. ومنذ ذلك الوقت حتى يومنا هذا، واجه الإيماء عقبات متعددة، من أبرزها اضطهاده كفن؛ إذ كان بعض الحكام الأوروبيين والعرب يرون فيه قلقاً يثير مخاوف السلطة، لقدرته الكامنة على خلق أجواء تخييلية تشبه السحر. فعلى سبيل المثال، أصدر الملك فريدريك الثاني في القرن العاشر قراراً يُبيح ضرب وقتل أي فنان إيماء يُرى في الشارع دون قيد أو شرط. وفي العصر العباسي، اتخذ الخليفة المعتمد القرار ذاته، بعد محاولة اغتياله من قِبل فرق 'السمَّاجة'، وهي فرق تمثيل صامت وإيمائي شاعت في العصر العباسي، وكان 'أشعب' الذي تروى عنه الأخبار واحداً منهم وممن يقدمون تلك المشاهد الإيمائية، فأمر الخليفة بقتلهم، وحرق بيوتهم، وتدمير الأقنعة والصور على جدرانهم وربما كان يقصد الدمى والأقنعة التي بحوزتهم. هكذا كان الجفاء والنبذ حاضراً دوماً بين الإيماء والسلطة، أما في تجربتي الخاصة، فقد حاولت تحاشي هذا التصادم المباشر من خلال توجيه النقد للمجتمع ككل.

 

7 - نعيش اليوم طوفاناً من الفيديوهات القصيرة على المنصات التي تعتمد على الحركة والصورة. وسط هذا الصخب الاستهلاكي والمبتذل، كيف يحافظ "الإيماء المسرحي" على هيبته وعمقه، وكيف تقنع المتفرج أن ما تقدمه فن حقيقي يعيش في الذاكرة لا مجرد مقطع عابر؟

جواب: لقد مرت البشرية عبر تاريخها بأوقات عصيبة تشبه هذا الوقت الذي نعيشه الآن؛ فالصخب الإعلامي ليس الظاهرة الوحيدة التي تكتسح أيامنا هذه، بل هناك صخب آخر أشد عمقاً يتجلى في إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية، والديموغرافيا العالمية، والواقع الاجتماعي بكامله. ألا ترى معي أننا نندفع نحو عالم شبيه بذاك الذي ساد قديماً، وهو عالم الأسياد والعبيد؟ ومبدئياً، فإن هذا الصخب والضجيج سيزول ذات يوم، ويمر عبر مصفاة الزمن، فلا يبقى منه إلا ما هو نافع ومفيد للإنسانية. وفي خضم هذه العاصفة العالمية، يتخذ الإيماء موقعاً بالغ الأهمية؛ إذ نكتشف اليوم أن عدداً كبيراً ممن يظهرون عبر القنوات المتعددة لوسائل التواصل الاجتماعي يمارسون في جوهرهم فن الإيماء والتعبير الحركي، وإن ظلَّت أغلبها محاولات حركية فردية.

وهنا ينبغي لنا الاعتراف بأنَّ في لبنان واقعاً حركياً يعتمد على فن الإيماء بشكل واسع ونسبياً بالنظر إلى حجم البلد؛ إذ تنشط هناك فرقتان مسرحيتان: "فرقة المهرجين المحترفين" التي تقتصر عروضها على فن التهريج الإبداعي الخالص، وفرقة أخرى ترتكز على الرقص التمثيلي الذي يُمثِّل إيماءً راقصاً، وكلاهما ان عروضهما بانتظام في لبنان. والفرقتان ناجحتان جداً، وتضمَّان في صفوفهما بعض التلاميذ الذين درسوا على يدي في الجامعة اللبنانية، لذا أعرفهم تماماً وأدرك طريقة تفكيرهم. فحين أُدرِّس الإيماء، لا أحصره في قالب أسلوب 'مارسيل مارسو' فحسب، بل أُخصِّص فصلاً واحداً لمبادئ 'مارسيل مارسو' وتفاصيل أدائه الإيمائي، لينتقل المنهج بعدها إلى دراسة العلاقة بين الإيماء والصوت، ثم الإيماء والقناع، وصولاً إلى فنان الإيماء والأشياء والمؤثرات المحيطة به على الخشبة.
وبناءً على هذا المنهج، أطلب من الطلاب تقديم مشاريع أدائية ترتكز على الفلسفة العميقة لفن التهريج؛ وهي أن يُمثِّل المهرج ذهنياً بمستوى يقل عن مستوى المشاهد. بمعنى أن يقع المهرج في أخطاء بديهية يُدركها المتفرج قبل حدوثها، مما يمنح الجمهور قدرة على استباق الأحداث وتنمية ملكة التفكير، لشعورهم بأنهم تفوقوا ذهنياً على المهرج، وهذا الأثر يتجلى بوضوح لدى الأطفال. فعندما يشاهد الأطفال مهرجاً يضع رجله في مكان ساخن مثلاً فتحترق ويصرخ من الألم، ثم ينتقل إلى مكان آخر ليفرّ، قبل أن يعود مجدداً إلى البقعة ذاتها ويضع قدمه لتفاجئه الحرارة مرة أخرى؛ تجدهم يصرخون بعفوية وحماس: 'لا تضع رجلك هنا! لا تفعل!'. وحين يضعها رغم تحذيرهم، يشعرون بغبطة وسعادة غامرة لأنهم كانوا أسبق فكراً وأكثر ذكاءً منه.

ومن هنا، فإنَّ الموجة الافتراضية العابرة على وسائل التواصل الاجتماعي ستنتهي حتماً، ليبقى الفن الحركي الحي؛ ففي السويد على سبيل المثال، يقدم الفنان "جيمس ثيرييه" (حفيد شارلي شابلن وابن ابنته فيكتوريا) مسرحاً حركياً حياً يشبه تماماً في فلسفته وفكره المسرح الذي أقدمه. فلا تخف.

 

 

8 - بعيداً عن الأضواء والخشبة، نحن جميعاً نمارس "الإيماء" دون أن ندري؛ نظرة، التفاتة، حركة بدن أو يد أو طريقة جلوس تكشف ما تحاول الألسنة إخفاءه. إلى أي حد تفضحنا لغة الأجساد في حياتنا اليومية؟

جواب: إنَّ الشعار الكبير الذي يرفعه فنانو الإيماء في العالم هو: أنَّ الحركة لا تكذب؛ أو لنقل بصيغة أخرى: لا يمكنك الكذب بالحركة. ففي لغة الكلام، تستطيع نطق العبارة الواحدة بعدة حالات ومعانٍ شتى؛ إذ تمتلك كل جملة بُعداً أدبياً وبُعداً تعبيرياً مغايراً، فعبارة 'صباح الخير' مثلاً يمكن أدائها بنبرات متعددة، لتمنح كل نبرة دلالة تختلف تماماً عن الأخرى.

أما في الحركة، فالدلالة واحدة وحاسمة، ولا يمكن منح معانٍ متناقضة لحركة واحدة بذاتها. وبناءً على ذلك، أما ما تتكلم عنه من أنَّ الجسد يفضح صاحبه فلا علاقة له بفن الإيماء؛ فنحن نتحدث بأجسادنا ولدينا رموز أو 'مصطلحات حركية' متعارف عليها في مجتمعنا، وهذه لا يمكن تزييفها، فالحركة الواحدة تعني دلالة محددة ولا تتبدل كما تتبدل المعاني الأدبية للكلمات. قد يكذب المرء في قصده أو موقفه، لكنَّ الحركة ذاتها تظل تعبيراً صادقاً عن حالته ولا تكذب كما تفعل الكلمة. أما فيما يتعلق بكيفية كشف الجسد لسرائرنا؛ فإنَّ مراقبة لغة الجسد تُظهر أنَّ الأشكال الانقباضية ترمز دائماً للجانب السلبي في الشخصية، بينما تعكس الجانب الإيجابي والأوضاع المنفتحة والمنبسطة معاني الصراحة، والقوة، والثقة بالنفس، أو الحب. بيد أنَّ الجسد قد يفضح صاحبه أيضاً عبر لازمة حركية لا إرادية يكررها الدماغ تلقائياً عند الكذب، كرمش العينين المفاجئ مثلاً كبديل يفرضه الدماغ للهروب من موقف الكذب. وقد لاحظتُ هذه الدلالات مراراً لدى الساسة والزعماء أثناء خطاباتهم؛ حيث تكشف حركاتهم زيف وعودهم بناءً على استجابات أجسادهم اللاإرادية، غير أنَّ هذا الفرز الفاضح يتطلب من المشاهد مراقبة دقيقة ولصيقة للشخص المتحدث.

 

9- أستاذ فائق، في ختام هذا الحوار، ونحن نرى هذا التراجع لكل ما هو أصيل ومُعبّر في ثقافتنا المعاصرة. إلى أي مدى ما زال لهذا الفن حضور يلامس قلوب الناس، وكيف ترى مستقبله في عالم يبدو أحياناً أنه سجن نفسه في الضجيج، وفقد القدرة على الإصغاء للصمت؟

جواب: في الحقيقة، أنا لست متشائماً لهذا الحد؛ يعني أعرف ما تقصده عن تراجع اهتمام الناس بالثقافة الأصيلة، إن كان من ناحية الموسيقى أو غيرها، لكن هذا أمر طبيعي، كما قلت لك سابقاً في السؤال السابق.
إنَّنا نخوض اليوم معركة كبرى ضد محاولات تحويل المجتمع الإنساني إلى مجتمع أسياد وعبيد. هذا المنعطف خطير جداً، لكني أرى في المستقبل البعيد أنَّ العالم سيعود إلى الصمت وإلى تقدير قيمته؛ فالمخططات العلمية الراهنة لسكان الأرض تتجه نحو تهيئة البشر للعيش في كواكب أخرى كالمريخ وغيره. وضمن هذه الرؤية المستقبلية، يُخشى أنَّ الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي يستهدف تقويض الفكر والذكاء البشري، بالتوازي مع التحديات التي تواجه الإنسانية من نشر للأمراض والارتفاع الفاحش في أسعار الأدوية، تزامناً مع حقيقة أنَّ الأعداد التي يمكن نقلها للعيش خارج الأرض ستكون محدودة جداً. والسؤال هنا: كيف أُفسِّر هذا الانتقال الوشيك؟ أُفسِّره بأنَّ العبور نحو ذاك العالم الجديد، والذي تقوده الدول المتقدمة علمياً، سيتطلب ترسيخ قيم التعاون، والالتزام، والتفكير النقدي، وحل المشكلات، والابتكار، والتجديد؛ وهي قيم تربوية تُهيِّئنا لاكتشاف المجهول والتعامل معه. وفي ذاك العالم، لن يكون الكلام وسيلة التواصل الأساسية بين شعوب وخلفيات لغوية متباينة قد لا يفهم بعضها بعضاً، بل سيكون الصمت هو القاعدة والحركة هي الأساس. ويحضرني هنا ما حدث معي أثناء زيارة ثقافية للاتحاد السوفيتي عام 1985؛ حيث لاحظتُ أنَّ جدول لقاءاتي الرسمية مع وزارة الثقافة والجمعيات يخلو من زيارة مسرح إيمائي، فطالبتُ بذلك. وبالفعل، قصدتُ المسرح رفقة المترجمة، وهناك شاهدتُ عرضاً يعتمد على حركات إيمائية تؤدَّى بالتزامن مع حوارات مسجلة مسبقاً. غضبتُ حينها وناقشتُ المخرج قائلاً: 'هذا ليس مسرحاً للإيمائيين، بل هو مسرح للصم والبكم وأنت وضَتعهم في خانة العاجزين عن الكلام'، إذ كان الممثلون على الخشبة يكتفون بمحاكاة حركة شفاه ممثلين آخرين يختبئون في حفرة الفرقة الموسيقية بمقدمة القاعة. وهنا انتفض الممثلون، وكانوا جميعاً من الصم والبكم وكانوا من مؤيدين كلامي الذي رأوا فيه إنصافاً لهم، لدرجة أني التفتُّ فوجدتُ المترجمة تبكي، وحين سألتُها عن السبب، أجابتني متأثرة: 'هذه أول مرة أشعر فيها أنَّ عملي كمترجمة ليس ضرورياً، فقد استطعتَ أنت أن تتواصل مع هؤلاء الناس وتصل إلى عمق وجدانهم بالحركة وحسب، ودون أن تنطق بكلمة واحدة'. نعم، إنَّ المستقبل للصمت.

لقراءة الجزء الأول، اضغط على الرابط هنا