من حماية السماء إلى أمن السواحل: الردع السعودي في مواجهة إيران

من حماية السماء إلى أمن السواحل: الردع السعودي في مواجهة إيران

 

زياد سامي عيتاني - تجد المملكة العربية السعودية نفسها اليوم في مفترق طرق استراتيجي دقيق، حيث تتقاطع طموحات التحول الاقتصادي الكبرى التي يجسدها برنامج "رؤية 2030" مع واقع أمني مضطرب فرضته اعتداءات وكلاء إيران في المنطقة على حدودها الجنوبية وفي الممرات المائية الحيوية. لم تعد التهديدات المباشرة الصادرة عن جماعة الحوثي في اليمن، أو هجماتها المتكررة في البحر الأحمر، مجرد أزمات أمنية عابرة أو مناوشات حدودية، بل تحولت إلى تحدٍّ بنيوي يستهدف عماد الأمن القومي السعودي، ويختبر صلابة النموذج التنموي الجديد الذي تراهن عليه الرياض لبناء اقتصاد ما بعد النفط.

 

معادلة استنزاف معقدة: كيف تواجه الرياض إرهاب الدرون الرخيص؟

تجاوزت النزاعات الممتدة على جغرافية اليمن وجوارها الإقليمي أبعادها المحلية الضيقة، لترسم ملامح مرحلة جديدة من الحروب التي امتدت تداعياتها المباشرة إلى قلب سلاسل الإمداد وممرات التجارة العالمية. اعتمدت التكتيكات العسكرية للجماعة الحوثية المدعومة إيرانياً على نقل ثقل المواجهة من جبهات القتال الداخلية إلى العمق الاستراتيجي، مستخدمة استراتيجية تقوم على "رفع كلفة الاستمرار" وإحداث الاضطراب الاقتصادي والسياسي.

ولم تكن الأسلحة المستعملة سوى انعكاس لتطور أدوات النزاع الحديث، والتي شملت:

 

- المسيّرات الانتحارية: التوسع في تشغيل الطائرات المسيّرة (مثل منظومات صماد وقاصف) لاختراق الطبقات الدفاعية واستهداف البنى التحتية بمديات بعيدة.

- الترسانة الصاروخية الموجهة: الاعتماد على الصواريخ الباليستية والمجنحة (من طرازات بركان وقدس)، الموجهة نحو مراكز ثقل حيوية.

- الحرب البحرية غير التقليدية: نشر الزوارق المفخخة الموجهة عن بُعد والألغام البحرية في جنوب البحر الأحمر ومحيط مضيق باب المندب.

 

وقد توزّع بنك أهداف الجماعة بين البنية التحتية للطاقة (كمنشآت ومحطات تكرير النفط) لإرباك أسواق الطاقة العالمية، والمطارات والأعيان المدنية لاستنزاف منظومات الدفاع الجوي وتكثيف الضغط السياسي، في محاولة لخلق حالة من عدم الاستقرار الدائم.

هذا النمط الهجومي وضع منظومة الدفاع الجوي السعودية أمام معضلة التكلفة والكفاءة؛ إذ يتطلب التصدي لمسيّرة رخيصة التصنيع استخدام صواريخ اعتراضية باهظة الكلفة كـ "باتريوت". ورداً على ذلك، اندفعت الرياض نحو هندسة ردع متكاملة قائمة على توطين الصناعات العسكرية محلياً، والتوسع في ابتكارات الذكاء الاصطناعي، وتبني أنظمة اعتراض منخفضة الكلفة لمواجهة المسيّرات، بهدف كسر معادلة الاستنزاف المالية وبناء قدرة دفاعية ذاتية ومستدامة.

 

بصمات طهران في باب المندب: القرصنة الحوثية تخنق التجارة العالمية

ولم تكد جبهات الحدود تشهد تحولات التهدئة، حتى انتقل ثقل الاستراتيجية الهجومية بالكامل نحو المياه البحرية الدولية في البحر الأحمر وباب المندب، ليتداخل الأمن القومي الإقليمي بالأمن الاقتصادي الدولي. ولا يمكن قراءة تصعيد الحوثيين في هذا الممر البحري بمعزل عن الدعم العسكري واللوجستي والمالي السخي الممتد من طهران؛ حيث وفرت إيران للذراع الحوثي الصواريخ المضادة للسفن، والزوارق السريعة المفخخة، والألغام البحرية، والمعلومات الاستخباراتية لتحديد الأهداف.

هذا التحول أدخل الاقتصاد العالمي في زلزال جيواقتصادي وأزمة اختناق حادة؛ إذ أدت الهجمات إلى:

 

- اضطراب تدفقات الشحن الدولي: اضطرت غالبية كبرى شركات الملاحة العالمية (مثل Maersk وMSC) إلى تعليق العبور عبر قناة السويس والتحول الشامل نحو مسار "رأس الرجاء الصالح" حول القارة الأفريقية.

- ارتفاع الأكلاف والزمن: أدى هذا التغيير المساري إلى إضافة ما بين 10 إلى 14 يوماً على رحلات الشحن بين آسيا وأوروبا، مما انعكس مباشرة على أسعار استهلاك الوقود، وأقساط التأمين البحري على البضائع والهياكل.

- الضغوط التضخمية: تسبب تأخر المواد الخام واضطراب سلاسل التوريد في إرباك خطوط التصنيع في أوروبا وآسيا، وارتفاع تكلفة السلع النهائية للمستهلكين، فضلاً عن تقلبات أسواق النفط والغاز نتيجة المخاطر المرتفعة على الناقلات.

 

بالنسبة للسعودية، يترتب على هذا التهديد الحوثي المدعوم إيرانياً أثر مضاعف؛ فهو لا يرفع فقط من تكاليف استيراد المواد الخام والتجهيزات التكنولوجية للمشاريع الكبرى، بل يستهدف مباشرة مشروعاً استراتيجياً يسعى لتحويل الساحل الغربي للمملكة إلى وجهة لوجستية وسياحية عالمية (عبر مشاريع مثل "أمالا" والمنتجعات الساحلية). إن استمرار التهديدات الحوثية قرب هذه الشواطئ يحول دون استغلال المقومات الاقتصادية الكاملة للساحل الغربي، ويجعل من القضاء على هذا التهديد شرطاً أساسياً لنجاح الرؤية الاقتصادية.

 

تحول بنيوي في الحروب الحديثة: قراءة مراكز الأبحاث الدولية

ما يشهده البحر الأحمر يُعد تحولاً بنيوياً في مفهوم الأمن المائي والحروب غير المتكافئة:

-مفهوم "الردع الاقتصادي الجيوسياسي": أثبتت التجربة قدرة "فاعل غير حكومي" عبر ترسانة منخفضة التكلفة نسبيّاً ودعم إقليمي على إرباك حركة الملاحة التي يمر عبرها نحو 12% إلى 15% من التجارة العالمية، مستبدلاً السيطرة الجغرافية المباشرة بـ "قدرة التعطيل" الشاملة.

-تدويل أمن الممرات المائية: رجّحت التقديرات اتجاه القوى الدولية والإقليمية لنشر تواجد بحري دائم، ومأسسة تحالفات حماية الملاحة لمنع استخدام الممرات المائية الحيوية كأوراق ضغط ومناورة في الأزمات الإقليمية القادمة.

 

أصل استراتيجي أثمن من النفط: عندما يصبح "صنع الاستقرار" شرطاً للتنمية

تقوم فلسفة "رؤية 2030" على إحداث تحول هيكلي في الاقتصاد السعودي، ينقله من الاعتماد التقليدي على العائدات النفطية إلى اقتصاد متنوع قائم على التكنولوجيا، والخدمات اللوجستية، والسياحة، والترفيه، والصناعات المتقدمة، والاستثمارات الأجنبية المباشرة.

إن المستثمر الأجنبي ورؤوس الأموال العالمية تبحث دائماً عن البيئات المستقرة والتنبؤية. وبالتالي، فإن الهجمات العابرة للحدود التي تشنها جماعة الحوثي، حتى وإن تم إحباط معظمها بنجاح بواسطة وسائط الدفاع الجوي، تُستغل من قبل وكالات التصنيف الائتماني وشركات التأمين العالمية لرفع تقييمات المخاطر السيادية للمنطقة. ويترتب على ذلك زيادة في تكاليف التأمين والتمويل الموجه للمشاريع التحولية الكبرى مثل "نيوم" و"القدية" و"البحر الأحمر".

من هنا، أصبحت "صورة الاستقرار" ومنع الاعتداءات التخريبية الحوثية أصلاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن الأصول المادية والبنية التحتية نفسها؛ فالردع هنا ليس مجرد حماية للحدود، بل هو غطاء أمني حاسم لضمان تدفق رؤوس الأموال وحماية تنافسية الاقتصاد الوطني على الخارطة الدولية.

 

معادلة الردع والدبلوماسية لتأمين الحلم الاقتصادي

أمام هذا التداخل العضوي بين الأمن والاقتصاد، اعتمدت الرياض نهجاً مزدوجاً يجمع بين تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية والانفتاح الدبلوماسي الصارم. فقد أدركت القيادة السعودية أن مواجهة حرب الاستنزاف الحوثية والتحجيم العسكري للتمدد الإيراني يتطلبان التوازي بين ردع الهجمات العابرة للحدود ودعم المسارات السياسية والتنسيق مع التحالفات البحرية الدولية لتأمين الملاحة، مع الحفاظ على ضبط النفس منعاً لتوسع الصراع.

لقد أثبتت تحولات البحر الأحمر تلاحم الأمن القومي المحلي بالأمن الاقتصادي العالمي؛ إذ لم تعد المسافة الجغرافية كافية لصيانة الاستقرار. وتستمر المملكة في ترسيخ معادلتها الاستراتيجية القائمة على بناء ردع تكنولوجي متطور وتحركات دبلوماسية مرنة، باعتبار أن دحر مخاطر الوكلاء الإقليميين وتأمين البيئة الاستثمارية هما الشرط الأساسي لضمان نجاح "رؤية 2030" وصيانة مكانة المملكة كمركز اقتصادي آمن وقيادي في المنطقة والعالم.