حزب الله انتقل من فرض المعادلات إلى إدارة النزيف
زياد سامي عيتاني - في الذكرى الثانية لاغتياله تطل ضربة السابع والعشرين من أيلول 2024 التي أودت بحياة السيد حسن نصر الله بوصفها المحطة التي جردت "حزب الله" من أنيابه وأنهت عصر "فائض القوة" الممتد لعقود. وبعيداً عن ثنائية "الانهيار التام" أو ادعاءات "البقاء بلا أضرار"، تكشف القراءة التقنية والمعلوماتية الميدانية عن واقع حاد لا محالة: لم ينهر الحزب كلياً ولم تفقد قاعدته تماسكها، لكنه انتقل قسراً من موقع المبادرة وفرض المعادلات الإقليمية إلى مربع الدفاع اللامركزي، خائضاً معركة استنزاف قاسية لتفادي السقوط الشامل وإدارة النزيف الداخلي.
من صدمة الاغتيالات إلى حصار الإمداد
شكلت السلسلة المترابطة من الضربات بين عامي 2024 و2026 مساراً متسارعاً لإعادة تشكيل الحزب تفكيكاً وتركباً؛ إذ ابتدأت العملية بالاختراق التقني الواسع وتفجيرات أجهزة الاتصال اللاسلكي من نوع "بيجر" وغيرها، تلاها سريعاً تصفية قيادة "قوة الرضوان"، واغتيال الأمين العام حسن نصر الله ثم خلفه المفترض هاشم صفي الدين. ورغم تسلم نعيم قاسم السدة القيادية والتوصل لاتفاق وقف إطلاق نار هَشّ نهاية 2024، تلقت البنية اللوجستية ضربة قاصمة بسقوط النظام السوري وإغلاق شريان الإمداد البري، متزامناً مع استمرار التصفية الجسدية للقيادات العسكرية بتصفية هيثم الطبطبائي، وصولاً للضربات المباشرة على طهران التي استهدفت علي خامنئي وتسببت بتضييق الخناق المالي والإستراتيجي على القنوات الخارجية.
ومع تجدد المواجهة العسكرية الواسعة في آذار 2026، والتي تخللها توغل بري إسرائيلي وتفجير لجسور نهر الليطاني والسيطرة على موقع قلعة الشقيف والتمركز في تلة علي الطاهر، أفضت الضغوط الدولية لفرض مسارات تفاوضية تمثلت بمذكرة إسلام آباد ثم "اتفاق الإطار" الأمريكي الذي اشترط تجريد الحزب من السلاح مقابل أي انسحاب، وهو ما واجهه الحزب بتمسك قاطع عبر عنه قاسم في خطابه الأخير بربط أي تسليم للسلاح بالانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط من النقاط الحدودية.
انكسار مركزية القيادة وعقدة الاختراق الأمني
خسر الحزب في غضون أسابيع وأشهر صفه القيادي الأول بأكمله؛ ورغم نجاحه الإداري في منع الانهيار المؤسسي والعملياتي، تؤكد التقييمات الاستخباراتية صعوبة تعويض الكاريزما والشخصية المرجعية لنصر الله التي كانت تختصر القرار العسكري والسياسي والإقليمي بكلمة واحدة، وتدير شبكات التحالف المعقدة مع طهران وحلفاء المحور برؤية أحادية نافذة.
فرض تكرار الاغتيالات القناعة بوجود اختراق استخباري وتكنولوجي عميق في شريان الشبكة القيادية الحزبية. أدى ذلك بالضرورة إلى تخلي الحزب عن نظام الاتصال المركزي المحمي والسلسلة القيادية المعتادة، والتحول الشامل نحو نظام "اللامركزية المطلقة" ونموذج الخلايا السرية المستقلة.
•الواقع العسكري: خريطة الترسانة وحصار الإمداد
تكشف البيانات الميدانية والاستخباراتية عن تراجع غير متكافئ في البنية التسليحية؛ حيث فقد الحزب تفوقه النوعي وعمقه اللوجستي أكثر من فقدانه العنصر البشري والقدرة التجنيدية، وهو ما يظهر في تحليل ثلاثة محاور أساسية:
- تراجع المنظومات الصاروخية: شهدت الترسانة الصاروخية انخفاضاً حاداً من نحو 150 ألف صاروخ قبل أيلول 2024 لتستقر حالياً بين 20 و25 ألف صاروخ فقط، معظمها من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى غير الموجهة، مما يعني تراجعاً إجمالياً يُقدر بنحو 75 إلى 80 بالمئة. ودُمرت معظم منصات الإطلاق الثابتة والكبيرة ومستودعات التخزين الاستراتيجية، مما أفقد الحزب مظلة الردع الصاروخي التي بناها على مدى عقدين.
-النزيف البشري والخسائر الميدانية: تُقدر الخسائر القتالية المباشرة للحزب بما بين 4,000 و5,000 مقاتل وقائد ميداني من مختلف المستويات القيادية والتشغيلية.
-جغرافية الانتشار وتحولات الليطاني: تراجعت البنية العسكرية المباشرة والظاهرة للحزب جنوب نهر الليطاني بشكل كبير مع تمدد وحدات الجيش اللبناني. وانتقلت قواعد الإطلاق والقيادة الثقيلة إلى شمال الليطاني وفي عمق البقاع والضاحية الجنوبية.
الملف التكتيكي للمسيّرات: سلاح الألياف الضوئية
مثلت الطائرات المسيرة المجال الأكثر تطوراً في ترسانة الحزب للتغطية على تراجع المنظومات الصاروخية الثقيلة؛ حيث أحدث الحزب خرقاً تكتيكياً عبر اعتماد مسيّرات محددة الاتجاه وموجهة بواسطة كابل ألياف ضوئية المقتبسة من تجارب الحرب الروسية-الأوكرانية.
تتميز هذه المسيرات بعدم بثها أي إشارات راديوية أو حرارية ملموسة أثناء تحليقها. وتتميز بكلفة تصنيعية منخفضة جداً تتراوح بين 300 و400 دولار للقطعة الواحدة.
وبفضل مداها القصير والمتوسط البالغ بين 10 و20 كيلومتراً، استطاعت هذه المسيّرات تكبيد القوات الإسرائيلية المتوغلة خسائر مباشرة في تجمعاتها الميدانية وفي الآليات العسكرية المتقدمة. إلا أنه وعلى الرغم من قيمتها الميدانية العالية في خفض كلفة المواجهة وتزويد الإعلام الحربي بمشاهد رقمية مؤثّرة، تبقى هذه المسيرات أداة إرباك تكتيكية لحرب العصابات المباشرة، ولا تشكل بأي حال من الأحوال بديلاً استراتيجياً عن منظومة الردع الصاروخي الشاملة التي خسر الحزب عمودها الفقري.
معادلة الإنهاك وبقاء المقاومة اللامركزية
تكشف المعطيات الميداني والتحليلات التسليحية بعد عامين على غياب حسن نصر الله أن «حزب الله» لم يعد يملك رفاهية فرض القواعد الردعية المباشرة أو استخدام "فائض القوة" لإدارة الاشتباك الإقليمي. لقد أدت صدمة الاغتيالات المتتالية، وانكفاء الجغرافيا جنوب الليطاني، وانقطاع شرايين التغذية البرية إلى حشر التنظيم في نموذج قتالي قائم على اللامركزية الدفاعية وحرب الاستنزاف منخفضة الكلفة، عبر الاعتماد على تكتيكات المسيّرات والشبكات المستقلة بدلاً من منظومات الصواريخ الثقيلة والاستراتيجية.
غير أن أزمة الحزب لم تعد محصورة في حدود الميدان العسكري ومواجهة الطيران أو القوات المتوغلة؛ إذ إن الاختبار الأكثر خطورة الذي يواجه قيادة نعيم قاسم يكمن في مدى القدرة على الصمود أمام الضغوط الداخلية والإقليمية التي تحاصره سياسياً ومالياً. فكيف أثر خنق الشرايين المالية وتفكيك شبكات النقد على بيئته الحاضنة ومشاريع الإعمار؟ وكيف تحولت السلطة الرسمية في بيروت من شريك حذر إلى خصم سياسي يرفع بوجهه خيار حصر السلاح ومنعه من ممارسة أي نشاط أمني خارج الدولة؟
يُتبع في الجزء الثاني: الانكفاء السياسي، الخناق المالي، والمعادلة الإقليمية.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook