نصف قرن من الاغتيالات والتفجيرات والعدالة المؤجلة في لبنان

نصف قرن من الاغتيالات والتفجيرات والعدالة المؤجلة في لبنان

 

عبد الفتاح خطاب - منذ اغتيال الزعيم كمال جنبلاط عام 1977، لم تكن الاغتيالات والتفجيرات في لبنان مجرد جرائم متفرقة، بل تحوّلت في محطات مفصلية كثيرة إلى أدوات للصراع على السلطة والنفوذ، ووسائل لإعادة رسم التوازنات السياسية والأمنية بالقوة. وبين أهوال الحرب الأهلية وتداعيات التدخلات الإقليمية، ثم مرحلة ما بعد اتفاق الطائف وصولاً إلى موجة الاغتيالات والتفجيرات التي أعقبت عام 2005، ظلّ اللبنانيون يواجهون سؤالاً يتجاوز هوية المنفذين المباشرين، يتصل بمن خطّط وموّل ووفّر الحماية، ولماذا تعذّر في ملفات كثيرة الوصول إلى الحقيقة كاملة.

 

تكشف مراجعة أبرز هذه الأحداث، الممتدة من سبعينيات القرن الماضي إلى انفجار مرفأ بيروت عام 2020 وتطوراته القضائية حتى عام 2026، عن مسار طويل تداخلت فيه الجريمة السياسية مع الصراع الإقليمي، وتقاطعت فيه التحقيقات القضائية مع الانقسامات الداخلية. غير أن هذا السجل التوثيقي لا يجوز اختزاله في اتهام جهة واحدة أو افتراض وجود مخطط موحّد وراء جميع الحوادث؛ إذ إن لكل جريمة ظروفها وقرائنها ومسارها القضائي الخاص، ولكل اتهام مستوى مختلف من الإثبات.

 

السبعينيات والثمانينيات: من العنف الداخلي إلى استهداف المصالح الأجنبية

 

شكّل اغتيال كمال جنبلاط في السادس عشر من آذار عام 1977 إحدى المحطات المفصلية في تاريخ العنف السياسي اللبناني الحديث، حيث أثار مقتله اتهامات واسعة للنظام السوري بقيت جزءاً من السجال السياسي والتاريخي، مع ضرورة التمييز بين الاتهامات السياسية الشائعة وما يمكن إثباته عبر القضاء. وفي الخامس عشر من كانون الأول عام 1981، استُهدفت السفارة العراقية في بيروت بتفجير دمر مقرها وأسفر عن عشرات الضحايا، ونُسب في روايات تلك المرحلة إلى عناصر مرتبطة بحزب الدعوة العراقي. ومع حلول عام 1982، شهد لبنان تصعيداً خطيراً شمل استهداف البعثات والمواقع الأجنبية، واغتيال الرئيس اللبناني المنتخب بشير الجميّل في الرابع عشر من أيلول في تفجير استهدف مقر حزب الكتائب بالأشرفية، وهي الجريمة التي اتُّهم بها حبيب الشرتوني ونبيل العلم، وصدر بحقهما حكمان غيابيان بالإعدام عن المجلس العدلي في تشرين الأول عام 2017، مما يظهر كيف يمكن أن يتأخر الحكم القضائي لعقود حتى مع توافر مسارات تحدد المسؤولية الجنائية.

 

استمرت موجة التفجيرات لتطاول المصالح الغربية، ففي نيسان عام 1983 استهدف تفجير انتحاري السفارة الأميركية في عين المريسة، تلاه في تشرين الأول من العام نفسه تفجيران انتحاريان استهدافا مقرّي القوات الأميركية والفرنسية المشاركة في القوة متعددة الجنسيات، ما أسفر عن مقتل مئات العسكريين، ثم استُهدف ملحق السفارة الأميركية في عوكر في أيلول عام 1984. وتزامن ذلك مع ذروة تفجيرات السيارات المفخخة بين عامي 1985 و1986 في بيروت وضواحيها وطرابلس وصيدا وجونية وزحلة، وكان من أبرزها تفجير بئر العبد في الثامن من آذار عام 1985 الذي استهدف العلامة السيد محمد حسين فضل الله وخلّف عشرات الضحايا المدنيين. وعلى الرغم من ظهور اتهامات لشبكات مرتبطة بالاستخبارات الأميركية وإسرائيل في هذا التفجير، فإن هذه الروايات تبقى قراءة تاريخية وسياسية لا تستبدل الأحكام القضائية البتة، خاصة أن الحرب الأهلية كانت مسرحاً لصراعات متشابكة لم تؤدِّ التحقيقات فيها إلى تحديد قضائي شامل للجهات المسؤولة عن كل جريمة.

 

اغتيالات الرؤساء والقيادات: أحكام قضائية وأبعاد العفو العام

 

شهدت مرحلة اغتيال الرؤساء والرموز محطات بارزة بدأت بمقتل رئيس الحكومة رشيد كرامي في الأول من حزيران عام 1987 بتفجير مروحية عسكرية، وهي الجريمة التي أُدين فيها قائد القوات اللبنانية سمير جعجع قبل أن يشمله قانون العفو عام 2005. وفي السادس عشر من أيار عام 1989 اغتيل مفتي الجمهورية الشيخ حسن خالد بسيارة مفخخة وسط اتهامات سياسية للنظام السوري، ليلحق به رئيس الجمهورية رينيه معوض في الثاني والعشرين من تشرين الثاني من العام نفسه بتفجير موكبه. وفي الحادي والعشرين من تشرين الأول عام 1990 قُتل رئيس حزب الوطنيين الأحرار داني شمعون وعائلته داخل منزلهم وأُدين جعجع في القضية أيضاً قبل شموله بالعفو. كذلك أدى تفجير كنيسة سيدة النجاة في شباط عام 1994 إلى ملاحقة جعجع وإدانته بحظر الحزب ثم صدور العفو عنه. توضح هذه القضايا ضرورة التمييز بين الحكم القضائي الصادر، والإجراءات القانونية والسياسية اللاحقة كالعفو العام الذي ينهي عقوبة الجاني دون أن يمحو الواقعة التاريخية، والشكوك السياسية المتبقية بعد المحاكمات. يضاف إلى ذلك حادثة اغتيال القضاة الأربعة على منصة القضاء في صيدا حزيران عام 1999، والتي أصدر فيها المجلس العدلي أحكاماً بالإعدام عام 2019 بحق أفراد ينتمون لعصبة الأنصار.

 

مرحلة عام 2005 وما بعدها: زلزال اغتيال الحريري والسلسلة الدامية

 

شكل اغتيال رئيس الحكومة رفيق الحريري في الرابع عشر من شباط عام 2005 نقطة تحول كبرى بتفجير شاحنة مفخخة أدّت لمقتله وواحد وعشرين شخصاً آخرين، ليتأسس على إثرها مسار قضائي دولي تمثل بالمحكمة الخاصة بلبنان، والتي أدانت أفراداً كـ سليم عياش وحسن مرعي وحسين عنيسي بالسجن المؤبد، دون أن تصدر إدانة بحق حزب الله كتنظيم، وهو تمييز قانوني أساسي بين مسؤولية الأفراد الجنائية والمؤسسات. تلا ذلك سلسلة اغتيالات واستهدافات طالت صحافيين وسياسيين وأمنيين، كسمير قصير وجورج حاوي وجبران تويني وبيير الجميّل وليد عيدو وأنطوان غانم، ومحاولات اغتيال إلياس المر ومي شدياق عام 2005، وصولاً إلى اغتيال القيادات الأمنية كاللواء الركن فرنسوا الحاج والنقيب وسام عيد واللواء وسام الحسن، والوزير محمد شطح، حيث بقيت هذه الملفات خاضعة للتحقيقات والملاحقات الأمنية والقضائية المتواصلة.

 

التفجيرات العابرة للحدود (2013 - 2016): ارتدادات الأزمة السورية

 

بين عامي 2013 و2016، دخل لبنان موجة جديدة من الهجمات ارتبطت بتداعيات الحرب السورية، فشملت تفجيرات بئر العبد والرويس وتفجير السفارة الإيرانية وحارة حريك والهرمل وجبل محسن وبرج البراجنة، والتي تبنتها تنظيمات متطرفة كـ داعش وجبهة النصرة وكتائب عبد الله عزام. وفي المقابل، شهدت طرابلس تفجير مسجدي التقوى والسلام في آب عام 2013، والذي أصدر فيه القضاء اللبناني قراراً اتهامياً وجه الاتهام لضباط في الاستخبارات السورية، بينما وقع انفجار بنك بلوم في بيروت عام 2016 في سياق التوتر حول العقوبات المالية دون صدور إدانة حاسمة بتحديد المنفذين.

 

كارثة مرفأ بيروت: اختبار العدالة والدولة

 

تكللت هذه الفاجعة الممتدة بانفجار مرفأ بيروت الكارثي في الرابع من آب عام 2020 جراء اشتعال نيترات الأمونيوم في العنبر رقم اثني عشر، ما أسفر عن مقتل أكثر من مائتي شخص وتدمير أحياء العاصمة. وتعرض التحقيق العدلي لعراقيل عديدة حتى وصل بحلول عام 2026 إلى مرحلة إجرائية متقدمة بانتهاء التحقيقات واكتمال المطالعة للنيابة العامة التمييزية التي تضمنت طلبات ملاحقة لشخصيات سياسية وأمنية رفيعة من بينها رئيس الجمهورية السابق ميشال عون، مع الإشارة القانونية الحازمة إلى أن طلب الملاحقة لا يعد إدانة نهائية، بل خطوة تمهيدية لحسم المسؤوليات عبر القضاء.

 

الحقيقة القضائية كشرط لإنهاء الإفلات من العقاب

 

تؤكد هذه المسيرة التاريخية أن العدالة لا تتحقق بتكرار السجالات والاتهامات الإعلامية، ولا بإقفال الملفات شكلياً، بل عبر تثبيت الوقائع بالأدلة القاطعة وضمان استقلالية السلطة القضائية عن الضغوط السياسية. إن الحقيقة القضائية الكاملة ليست ملكاً للأحزاب أو الأجهزة، بل هي حق أصيل للضحايا وعائلاتهم وللمجتمع اللبناني بأكمله، والشرط الأول والأساسي لكسر دائرة الإفلات من العقاب وتجنب تكرار المآسي.