الدكتور دريد بشرّاوي يفتح الملف العقاري ويعرض رؤية استراتيجية لحماية الدور المسيحي

الدكتور دريد بشرّاوي يفتح الملف العقاري ويعرض رؤية استراتيجية لحماية الدور المسيحي

 

أجرى اللقاء: نبيل شحاده

يواجه الحضور المسيحي في لبنان والمنطقة تحديات وجودية مصيرية تهدد جوهر دوره التاريخي والرسالي، وسط نزيف ديموغرافي وهجرة مستمرة وأزمات اقتصادية متراكمة. يفتح الدكتور دريد بشراوي في هذا القسم ملفاً شائكاً يتناول تداعيات تطبيق اتفاق الطائف ومراسيم التجنيس، والخلل المتراكم في الإدارات العامة والمؤسسات. ولا يتوقف عند حدود المسؤولية الخارجية، بل يوجه نقداً جريئاً للقيادات والأحزاب المسيحية التي غرقت في الصراعات على الزعامات والمصالح الضيقة ومقاعد الرئاسة، متنازلة أحياناً عن السيادة. كما يسلط الضوء على خطر "التهجير القسري الصامت" والمشروعات العقارية التي تستهدف أراضي وممتلكات المسيحيين في الجبل والبقاع والجنوب، عارضاً أطراً عملية ونضالية واضحة لمواجهة هذه المخاطر وحماية حق الأهالي في البقاء والعودة.

 

السؤال الخامس: لطالما حذرتم من مخاطر التحديات الخطيرة التي تواجه الحضور المسيحي في لبنان والمنطقة، منتقدين ما تصفونه بمخاطر الذوبان. كيف تشخصون واقع المسيحيين اليوم سياسياً وديموغرافياً، وما هي الخيارات الفعلية المتاحة أمامهم لحماية دورهم التاريخي في وطن وصفه البابا يوحنا بولس الثاني بأنه "رسالة حرية"؟

الجواب: بدأ الحضور المسيحي ودوره السياسي في لبنان بالتراجع الفعلي منذ دخول اتفاق الطائف حيّز التنفيذ، في ظل موازين عسكرية وسياسية فرضها الاحتلال السوري، وبغطاء عربي ودولي واضح. وقد وجد فريق واسع من المسيحيين نفسه أمام اتفاق لم يشارك في صياغته بإرادة حرة ومتكافئة، فيما قبِل به فريق آخر مضطراً لوقف الحرب والنزف والتهجير والدمار، لا اقتناعاً منه بأن الاتفاق يحقق شراكة وطنية عادلة ومتوازنة.

لقد أبقى اتفاق الطائف على مبدأ المناصفة، لكنه قلّص جداً صلاحيات رئيس الجمهورية ونقل الجزء الأكبر منها إلى مجلس الوزراء مجتمعاً، مع تعزيز صلاحيات رئيس الحكومة. غير أن المشكلة لا تكمن في نص الاتفاق وحده، بل أيضاً في طريقة تطبيقه، أو بالأحرى في عدم تطبيقه تطبيقاً كاملاً ومتوازناً. فمنذ دخوله حيّز التنفيذ وحتى انسحاب الجيش السوري عام 2005، لم يُحكم لبنان وفقاً لروح الطائف، بل وفق قواعد الوصاية السورية وموازين قوى الأمر الواقع.

 

المشكلة لا تكمن في نص اتفاق الطائف وحده، بل في عدم تطبيقه تطبيقاً كاملاً ومتوازناً.
 

بعد سجن قيادات مسيحية وإبعاد أخرى إلى المنفى، جرى اختيار عدد كبير من النواب والوزراء المسيحيين وفق إرادة النظام السوري وحلفائه، لا وفق الإرادة الحرة للمسيحيين أو اللبنانيين عموماً. وهكذا تحولت المناصفة إلى صيغة شكلية، فيما أُفرغ التمثيل المسيحي من مضمونه السياسي الحقيقي، وأصبح الآخرون يختارون للمسيحيين ممثليهم داخل الدولة.

وتفاقم هذا الخلل بفعل مراسيم التجنيس المثيرة للجدل، ولا سيما المرسوم رقم 5247 الصادر عام 1994، الذي مُنحت بموجبه الجنسية اللبنانية لمئات الآلاف من الأشخاص، من بينهم سوريون وفلسطينيون ومكتومو القيد وأفراد من العشائر العربية. وقد شابت تطبيقه اعتراضات ومخالفات قانونية جدية، وأُثيرت بشأن بعض ملفات التجنيس شبهات غش وتزوير ورشوة. وفي عام 2003، أحال مجلس شورى الدولة هذه الملفات إلى وزارة الداخلية لإعادة درسها والتحقق من استحقاق أصحابها للجنسية. وأثار المرسوم جدلاً واسعاً بشأن أثره في التوازن الديموغرافي والطائفي، وأضعف الثقة بالدولة وبفكرة العيش المشترك.

وحتى بعد عام 2005، لم يتوقف مسلسل تهميش المسيحيين داخل مؤسسات الدولة والإدارات العامة. فالخلل بات واضحاً في التوظيف والتعيينات، وفي عدد من المؤسسات العسكرية والأمنية والوزارات والإدارات. ولم يعد ممكناً التعامل مع هذا الواقع على أنه مجرد صدفة إدارية أو نتيجة عابرة، ولا سيما بعدما نبّهت تقارير متخصصة، ومنها تقارير «لابورا»، إلى حجمه وخطورته وانعكاساته على الشراكة الوطنية.

في المقابل، ترتفع أصوات رسمية وسياسية تطالب بإلغاء الطائفية السياسية، بالتزامن مع وصف المسيحيين بأنهم «أقلية». ونحن نقول بوضوح: لا اعتراض مبدئياً على بناء دولة المواطنة وإلغاء الطائفية، لكن المدخل الإلزامي إلى ذلك هو قيام دولة كاملة السيادة تحتكر وحدها السلاح وقرار الحرب والسلم.

لذلك، يجب قبل أي شيء نزع سلاح جميع الميليشيات والتنظيمات المسلحة غير الشرعية. فلا يمكن إلغاء الضمانات الدستورية في ظل وجود سلاح خارج سلطة الدولة، يمنح فريقاً سياسياً أو طائفياً القدرة على فرض إرادته على سائر اللبنانيين. لا دولة مواطنة تحت سطوة السلاح، ولا مساواة بين مواطن أعزل وآخر يستند إلى قوة عسكرية تتجاوز المؤسسات الشرعية. ومن غير المقبول مطالبة المسيحيين بالتخلي عن الضمانات الدستورية، فيما يبقى السلاح غير الشرعي ضمانة فعلية بيد فريق واحد.

كذلك، لا يجوز استخدام شعار إلغاء الطائفية السياسية غطاءً لتكريس نتائج التهميش والاختلالات المتراكمة. فقبل أي تغيير جذري في بنية النظام، لا بد من حصر السلاح بالمؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية، وإجراء مراجعة قانونية وقضائية شفافة وشاملة لملفات التجنيس، وسحب كل جنسية يثبت القضاء أنها مُنحت بالتزوير أو الرشوة أو خلافاً للقانون، وضبط الوجود غير الشرعي على الأراضي اللبنانية، ومعالجة ملف المتحدرين من أصل لبناني بجدية وعدالة، بعدما جُمّدت أو أُهملت عشرات آلاف الطلبات المقدمة منهم.

 

لا مساواة بين مواطن أعزل وآخر يستند إلى قوة عسكرية تتجاوز المؤسسات الشرعية

 

عندها فقط يمكن إجراء نقاش وطني صادق حول إلغاء الطائفية السياسية، يستند إلى السيادة والمساواة والحقوق المتكافئة والأرقام الموثوقة، لا إلى موازين القوة ووقائع فُرضت بالسلاح ثم أُريد تحويلها إلى أمر دائم. فإلغاء الطائفية لا يعني إلغاء الشراكة، ودولة المواطنة لا تُبنى بإضعاف مكوّن من مكوّناتها أو بحرمانه من ضماناته قبل قيام دولة عادلة وقادرة وسيدة.

لكن المسؤولية لا تقع على الآخرين وحدهم؛ بل يتحمل جزءاً أساسياً منها المسؤولون والقيادات المسيحية، وخصوصاً المارونية، التي اختزل كثير منها القضية المسيحية بمعركة الوصول إلى رئاسة الجمهورية. لقد تحولت الرئاسة لدى بعضهم إلى غاية شخصية، بعدما كان يفترض أن تكون وسيلة لحماية الدولة والشراكة والسيادة. وتنازل بعض هذه القيادات عن قضايا أساسية، وحتى عن السيادة والقرار الوطني الحر، في سبيل الوصول إلى كرسي أفرغه الطائف والممارسة السياسية من جزء كبير من مضمونه وفاعليته.

المطلوب ليس مجرد إيصال رئيس مسيحي جديد إلى قصر بعبدا، بل بلورة مشروع مسيحي ووطني طويل الأمد، يحمي الحضور والدور للأجيال المقبلة. فما قيمة الرئاسة إذا استمرت هجرة الشباب، وفرغت المناطق من أهلها، وتراجع الحضور في مؤسسات الدولة، وتحولت المشاركة المسيحية إلى مجرد أسماء ومقاعد بلا تأثير فعلي؟

وتتحمل الكنيسة أيضاً مسؤولية أساسية. فتاريخها في لبنان لم يكن روحياً فحسب، بل كان وطنياً واجتماعياً وتربوياً ووجودياً. لذلك، لا تكفي المواقف والبيانات والمناشدات الموسمية، بل يجب وضع خطة عملية تستخدم الإمكانات المالية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية للكنيسة من أجل دعم العائلات، وتثبيت الشباب في أرضهم، وتأمين فرص العمل والسكن والتعليم، والحد من الهجرة، وتعزيز حضور المسيحيين الأكفاء داخل مؤسسات الدولة.

أما الخيارات الفعلية المتاحة لحماية الدور المسيحي، فهي واضحة: استعادة سيادة الدولة وقرارها الحر؛ نزع سلاح الميليشيات وحصر القوة المسلحة بالمؤسسات الشرعية؛ تصحيح الخلل داخل الإدارات والمؤسسات وفقاً للكفاءة والعدالة؛ معالجة ملفات التجنيس والإقامة غير الشرعية حصراً تحت سقف القانون والقضاء؛ وإطلاق خطة اقتصادية واجتماعية جدية للحد من الهجرة وتشجيع الشباب على البقاء والاستثمار في وطنهم.

كما أن المطلوب من القوى المسيحية أن تتفق على ثوابت وطنية تتجاوز خلافاتها وصراعاتها الشخصية وحساباتها الرئاسية الضيقة. فالتعدد السياسي مشروع، أما تحويل الخلافات إلى حروب إلغاء متبادلة وإلى ارتهان للخارج، فهو انتحار سياسي ووجودي.
 

المطلوب من القوى المسيحية أن تتفق على ثوابت وطنية تتجاوز خلافاتها وصراعاتها الشخصية

 

الخطر اليوم حقيقي، ولا يجوز تجميله أو إنكاره. فإذا استمر النزف الديموغرافي، واستمر التهميش داخل الدولة، وبقيت بعض القيادات السياسية المسيحية والروحية أسيرة أنانياتها ومصالحها، فلن يكون الدور المسيحي وحده مهدداً، بل صيغة لبنان نفسها.

إن الحضور المسيحي ليس امتيازاً طائفياً ولا مشروع هيمنة، بل ركن أساسي في التعددية والحرية والتوازن التي تمنح لبنان معناه ورسالته. وإذا انتهى هذا الدور واستمر مخطط التهميش الممنهج، فقد يجد المسيحيون أنفسهم مضطرين إلى إعادة النظر في جدوى بقائهم ضمن صيغة لبنان الكبير، والبحث سلمياً عن وطن مستقل يحمي وجودهم وحريتهم، والعودة إلى جبالهم ومرتفعاتهم التاريخية. عندها سيكونون قد تخلّوا عن لبنان الكبير الذي كان لإرادتهم الدور الحاسم في قيامه؛ لأن لبنان الذي يُقصيهم ويفقد توازنه وتعدديته لن يعود الوطن الذي وصفه البابا يوحنا بولس الثاني بأنه «أكثر من وطن، إنه رسالة".

 

السؤال السادس: تثيرون دائماً نقاشات جريئة حول المشاريع العقارية والتحولات الديموغرافية والتهجير القسري الصامت في المناطق المسيحية. ما هي الأطر العملية لمواجهة هذه المخاطر بعيداً عن الخطابات والشعارات العاطفية؟

الجواب: أبدأ من حقيقة أراها مقلقة: ما يُثار بشأن أراضي المسيحيين وأملاك مؤسساتهم في لبنان لم يعد محصوراً بملف عقاري واحد. نتحدث عن نزاعات واعتداءات مُبلّغ عنها في لاسا والعاقورة وتنورين في الجبل، وفي بعلبك والبقاع الشمالي وضفاف نهر العاصي، وفي جزين وبعض المناطق الجنوبية، فضلاً عن المخاطر الأمنية التي تواجه القرى المسيحية الحدودية. تختلف الوثائق والوضعية القانونية من موقع إلى آخر، لكن تشابه وسائل الضغط يفرض علينا أن نسأل إن كانت النتيجة المتراكمة لهذه الوقائع هي إضعاف وجود الأهالي في مناطقهم، ودفعهم تدريجياً إلى التخلي عن أرضهم أو مغادرة قراهم.

تأخذ الاعتداءات التي تناولتها دراساتي التي نُشرت صوراً متعددة: وضع يد مادي على أراض مملوكة ومشاعات، منع أصحابها من الوصول إليها، عرقلة مسحها وتحديد حدودها، الادعاء بحقوق لا تستند الى القيود، أو محاولة تكريس الأمر الواقع عبر النفوذ والسلاح. وهناك أيضاً خطر توظيف الإجراءات الإدارية والالتباس في تصنيف الأراضي لتغيير مركز أصحاب الحقوق. لا أقول إن كل واقعة من هذه الوقائع قد ثبتت قضائياً، ولا إن جميع المناطق تخضع لنظام عقاري واحد. أقول إن تكرار الشكاوى يستوجب تحقيقاً منظماً وملاحقة لكل اعتداء تثبته الأدلة.

البقاع جزء أساسي من هذه القضية، وليس تفصيلاً ملحقاً بجبل لبنان. المسائل المثارة في منطقة بعلبك والبقاع الشمالي وعلى ضفاف نهر العاصي تشمل، وفق الملفات التي عرضتها، أراضي تعود إلى مالكين مسيحيين وأملاكاً عائدة إلى الكنيسة المارونية. وعندما يُبلّغ أصحاب هذه الأملاك عن إشغال أرضهم أو منعهم من استثمارها أو منازعة حقوقهم تحت ضغط الأمر الواقع، فإن المطلوب ليس الاكتفاء بإعلان التضامن معهم. المطلوب تحديد العقارات المعنية، والحصول على قيودها وسنداتها وخرائطها، وتوثيق الإشغال وهوية القائمين به وتاريخه، ثم تمكين أصحاب الصفة، ومنهم الجهات الكنسية المالكة، من المطالبة بوقف التعدي واسترداد حقوقهم.

وأشدد على فارق جوهري بين البقاع وجبل لبنان القديم. ففي البقاع، المشاعات التي أتناولها هي في الأصل أراضٍ أميرية تعود ملكيتها للدولة. لذلك لا يقوم الاعتراض على تسجيلها باسم الدولة، بل على احتمال استغلال سلطة الدولة في تخصيصها أو نقل حقوق عليها إلى محاسيب وجهات مقرّبة من القوى المسلحة، على حساب المصلحة العامة وحقوق الانتفاع القائمة. وتقتضي مواجهة هذا الخطر كشف قرارات التصرف بهذه الأراضي، وأسانيدها القانونية، وأسماء المستفيدين منها، والتحقيق في أي محاباة أو مخالفة تثبتها الوثائق. وبموازاة ذلك، يجب حماية الأراضي الخاصة العائدة إلى المواطنين المسيحيين وأملاك الكنيسة المارونية في بعلبك وعلى ضفاف نهر العاصي من أي تعدٍّ أو وضع يد.
 

يجب حماية الأراضي الخاصة العائدة إلى المواطنين المسيحيين وأملاك الكنيسة المارونية في بعلبك وعلى ضفاف نهر العاصي من أي تعدٍّ أو وضع يد.

 

أما مشاعات قرى جبل لبنان القديم، فتخضع لنظام مختلف: فهي، وفق ما أبيّنه في دراساتي، ملكية جماعية خاصة بالقرى المعنية، وتعود في بعض الحالات إلى البلديات؛ وليست أراضي أميرية أو أملاكاً للدولة. والخطر هنا هو محاولة تغيير صفتها وقيدها باسم الدولة بذريعة عدم اكتمال المسح أو التسجيل. لذلك تقتضي حمايتها تثبيت حقوق القرى والبلديات واستكمال أعمال التحديد والتحرير، ورفض فرض قيدها باسم الدولة أولاً ثم مطالبة أصحاب الحق باستعادتها.

وفي جبل لبنان، تنطلق دراساتي من خصوصية قانونية وتاريخية لا يمكن القفز فوقها. فمشاعات جبل لبنان القديم ارتبطت بالقرى والأهالي والجماعات المحلية وبنظام انتفاع وإدارة سابق لنشوء الدولة اللبنانية الحديثة. وهي، في هذا السياق، ليست أراضي متروكة بلا أصحاب، ولا يجوز افتراض أنها ملك للدولة المركزية لمجرد أن أعمال المسح والتحديد والتحرير لم تُستكمل. هذا هو أصل الاعتراض على أي آلية إدارية تبدأ بقيد المشاع باسم الدولة ثم تضع على البلدية أو أهالي القرية عبء استعادته لاحقاً. أعمال التحديد والتحرير وُجدت لإثبات الحقوق القائمة وتحديد حدودها وأصحابها، لا لإنشاء قرينة عامة تنزع الملكية الجماعية المحلية.

وقد ظهرت حساسية هذه المسألة في النزاعات المتعلقة بالعاقورة ولاسا وتنورين وغيرها. وفي ملف لاسا تحديداً، لا يقتصر ما تثيره دراستي على المشاعات والملكيات الخاصة، بل يشمل أيضاً أملاكاً كنسية ومسألة استعمال كنيسة سيدة الوردية وما رافق النزاع من اعتراضات على تحديد الأملاك. هنا تتقاطع حماية الملكية مع حرية ممارسة الشعائر الدينية، وتبرز ضرورة العودة إلى السندات والخرائط والقرارات القضائية، لا إلى ميزان القوى الميداني أو التسويات السياسية التي لا تعيد الحق إلى صاحبه.

أما في الجنوب، فتتخذ المشكلة بُعداً أمنياً مباشراً. شهدت بلدة  رميش شكاوى علنية من أعمال على عقارات ومن تقييد وصول مالكين إلى أراضيهم، وأُعلن لاحقاً عن تفاهم لمعالجة بعض تلك الأعمال. أهمية هذه الحالة أنها تُظهر كيف يصبح حق الملكية هشّاً حين يتوقف استعمال الأرض على موافقة قوة أمر واقع بدلاً من حماية الدولة وتنفيذ القانون.

وتواجه القرى الحدودية، ومنها القليعة وعين إبل وعلما الشعب ورميش ودبل ومرجعيون وراشيا الفخار، خطراً يتجاوز النزاع على عقار بعينه. الحرب والضربات الإسرائيلية والنزوح وتعطّل الحياة الاقتصادية قد تدفع السكان إلى مغادرة قراهم زمناً طويلاً. واجبنا تسمية مصدر هذه الضربات بدقة، ومساءلة كل طرف، من جهة أخرى، عن أي استخدام لمحيط المناطق المأهولة لأغراض عسكرية يعرّض المدنيين للخطر. فالنتيجة التي يخشاها الأهالي واضحة: قرى يصعب البقاء فيها، ثم تصعب العودة إليها، ثم تصبح أملاك الغائبين أكثر عرضة للتعدي.

من هنا أتحدث بصراحة عن خطر تهجيري وجودي. فالاقتلاع لا يحدث دائماً بقرار معلن يطلب من الناس مغادرة بيوتهم. قد ينتج عن تراكم الاعتداءات على الأرض، والخوف من السلاح، والتعرض للحرب، وعجز الدولة عن الحماية، وانهيار مقومات العيش والعودة. وتطرح دراساتي فرضية أن تكرار هذه الممارسات ليس مصادفة، بل قد يعبّر عن نمط يستهدف الوجود المسيحي في مناطق معينة. هذه فرضية جدية تستوجب التحقيق؛ وإثبات وجود مخطط منظّم يقتضي جمع الأدلة على الصلة بين الوقائع والجهات الفاعلة والوسائل والغاية المقصودة. كلما أحكمنا هذا الإثبات، ازدادت قوة موقفنا أمام القضاء والرأي العام.

ولا يمكن فصل هذا الخطر عن هيمنة السلاح خارج سلطة الدولة. إذا خاف المالك من دخول أرضه، وخاف المسّاح من أداء مهمته، وعجزت البلدية عن منع الأشغال، وبقي الحكم القضائي بلا تنفيذ، تصبح الحماية الدستورية للملكية حبراً على ورق. المطلوب أن يتولى الجيش والقوى الأمنية حماية المدنيين والمسّاحين وأصحاب الحقوق وتنفيذ قرارات القضاء، وألا تتحول أي منطقة إلى مساحة تُحدّد فيها الحقوق بقوة الأمر الواقع. وفي الجنوب، يجب أن تبقى حماية القرى وسلامة أهلها جزءاً أساسياً من تطبيق القرار 1701، الذي ينص على ترتيبات لحصر الوجود المسلح في المنطقة المحددة به بالقوات الحكومية واليونيفيل وفق أحكامه.

ثم تأتي تعاميم وزارة المالية لتضيف خطراً مؤسسياً إلى الأخطار الميدانية. تناولت دراساتي التوجيه الصادر في نهاية عام 2015 بشأن المشاعات، وما أثاره من اعتراض على مسحها أو تسجيلها باسم الدولة. وعاد الجدل مع التعميم رقم 609/ ص1 بتاريخ 25 شباط 2026. فبحسب توضيح وزارة المالية الرسمي، تضمّن التعميم الامتناع عن قيد بعض العقارات غير الممسوحة والمشاعات مباشرة باسم البلديات أو الأفراد، وقيدها باسم الدولة أولاً إلى حين توافر مستندات إثبات الحق. ثم أوضحت الوزارة أن المقصود بالمشاعات في هذا التعميم هو، بحسب تفسيرها، الأراضي المهملة الواقعة خارج النطاق البلدي، وأن مشاعات الأهالي والقرى والبلديات داخل النطاق البلدي تبقى خاضعة لنظامها الخاص.

موقفي هنا واضح: التوضيح وحده لا يكفي إذا بقي التعميم أو تطبيقه يسمح بقيد مشاع جبل لبنان التاريخي باسم الدولة خلافاً لحقوق القرية أو البلدية أو الأهالي. المطلوب إزالة الالتباس من النصوص والتعليمات ومحاضر التطبيق، ومراجعة كل قيد نتج عنها. وإذا ثبت أن التعميم تجاوز صلاحية الإدارة أو غيّر عملياً مركز أصحاب الحقوق، ينبغي طلب إلغائه والطعن بالقرارات التطبيقية المخالفة وطلب وقف تنفيذها حيث تتوافر شروط ذلك. فالوزير ينظم عمل إدارته؛ لكنه لا يفصل بتعميم في ملكية عقار، ولا يحل محل القاضي العقاري. والمادة 15 من الدستور اللبناني تضع الملكية في حمى القانون.

أما خطة المواجهة، فأراها عملية ومتصلة، لا سلسلة بيانات اعتراض:

 

أولاً: جرد الملفات بحسب المنطقة والعقار. تُنشئ البلديات والمؤسسات الكنسية وأصحاب الحقوق ملفات موحدة تشمل السندات والقيود والخرائط ومحاضر المسح والأحكام والصور والشهادات. ويُعطى ملفا بعلبك وضفاف العاصي، وسائر أملاك الكنيسة المارونية في البقاع، مكانهما المستقل في هذا الجرد، مع تحديد كل عقار وطبيعة الحق المدعى به والتعدي الواقع عليه.

 

ثانياً: استكمال التحديد والتحرير وحماية المشاعات قبل ضياع الأدلة. في جبل لبنان، تُجمع وثائق الملكية والاستعمال الجماعي المحلية، وتُحدَّد حدود المشاعات، وتُقدَّم الاعتراضات ضمن الأصول. ولا يُقبل تحويل تأخر الدولة في إنجاز المسح إلى حجة تسلب القرى حقوقها التاريخية.

 

ثالثاً: التحرك القضائي المبكر. عند بدء حفر أو بناء أو تغيير حدود أو منع مالك من دخول أرضه، يُبحث فوراً في التدبير المستعجل المناسب. وعند وجود شبهة تزوير أو تهديد أو عنف، تُقدَّم الأدلة إلى القضاء الجزائي. وتُرفع دعاوى الملكية أو منع التعرض أو استرداد الحيازة بحسب طبيعة الحق والواقعة. أما القرار الإداري المخالف، فيُواجَه بالمراجعة الإدارية والقضائية الملائمة، بما فيها مراجعة مجلس شورى الدولة عند توافر شروطها.

 

رابعاً: حماية الناس في القرى الحدودية وحقهم في العودة. تُوثَّق الأضرار والنزوح والاعتداءات على الممتلكات خلال غياب أصحابها. وتُطالب الدولة بحماية الوصول الآمن إلى القرى وبإعادة الخدمات والمدارس والعمل والبنية الأساسية، وبمنع استغلال الحرب لتغيير استعمال العقارات أو السيطرة عليها. لا تنجح حماية سند الملكية إذا عجز صاحبه عن العودة إلى بيته.

 

خامساً: إنشاء فريق قانوني وصندوق طوارئ شفاف. يضم الفريق محامين عقاريين وإداريين وجزائيين، ومسّاحين وخبراء توثيق، ويتعاون مع المالكين والبلديات والمؤسسات الكنسية بتفويض واضح. ويموّل الصندوق الخبرات والدعاوى ومساعدة المتضررين وفق حوكمة ورقابة معلنتين. بذلك لا يُترك صاحب الأرض وحده أمام كلفة دعوى طويلة أو نفوذ يفوق قدرته.

 

سادساً: توثيق النمط تمهيداً للمساءلة الوطنية والدولية. إذا أردنا إثبات مخطط تهجيري، فلا بد من وصل الملفات بعضها ببعض: التهديدات، وهوية الفاعلين، وتكرار الوسائل، واستغلال النزوح، وانتقال السيطرة على الأراضي. تبقى المحاكم اللبنانية المرجع المباشر لحماية الملكية وتصحيح القيود. وإذا استمر العجز عن حماية المدنيين أو التحقيق في الانتهاكات، تُعرض الملفات الموثقة على الآليات الدولية المختصة وفق شروط اختصاصها، من دون إيهام الناس بأن جهة دولية تستطيع وحدها تصحيح السجل العقاري اللبناني.

هذه هي المواجهة التي أدعو إليها: أن نسمّي الخطر، وأن نثبت كل واقعة، وأن نلزم الدولة بحماية أهل القرى وممتلكاتهم، وأن نمنع أي جهة مسلحة أو إدارية من مصادرة دور القضاء. الحفاظ على الوجود المسيحي في الجنوب والجبل والبقاع والشمال يبدأ بحماية الإنسان في قريته، وملكيته في السجل وعلى الأرض، وحقه الفعلي في البقاء والعودة.

الجزء الأول: الدكتور دريد بشرّاوي يطرح كيف عطّلت المنظومة الحاكمة الدستور وضربت الشراكة الوطنية؟