المحامي نبيل الحلبي: مخاوف من طمس حقيقة شحنة المتفجرات التي تعيد شبح الاغتيالات إلى الواجهة

المحامي نبيل الحلبي: مخاوف من طمس حقيقة شحنة المتفجرات التي تعيد شبح الاغتيالات إلى الواجهة

 

اعتبر الرئيس التنفيذي لمنتدى الشرق الأوسط للسياسات في أنقرة المحامي نبيل الحلبي في تصريح لموقع "نستراك" أن قضية شاحنة المتفجرات التي أُوقفت في منطقة ضهر البيدر تفتح مجدداً أبواب الذاكرة اللبنانية على مرحلة الاغتيالات والتفجيرات التي شهدها لبنان، وتعيد إلى الواجهة أسئلة اعتقد كثيرون أن الزمن ربما أغلقها أو تجاوزها، محذراً من وجود جهات نافذة قد تحاول طمس الحقيقة وتفريغ القضية من مضمونها، تمهيداً إلى لفلفتها، كما درجت العادة عندما يكون المعنيون من حزب الله.

 

وأوضح الحلبي أن المعطيات المتداولة تشير إلى أن قوى الأمن الداخلي أوقفت، في الخامس من تشرين الأول الجاري، شاحنة نقل كانت تعبر من منطقة البقاع باتجاه بيروت، وعثرت بداخلها على مئات الكيلوغرامات من المواد المتفجرة، بينها مادتا "تي إن تي" و"سي فور"، كما أوقفت شخصين كانا على متنها.

وأضاف أن بعض المصادر الأمنية والقضائية تحدثت عن ارتباط الموقوفين بحزب الله، في حين لم تؤكد مصادر أمنية أخرى هذه المعلومة، ما خلق أجواء من الغموض حول حقيقة ما يجري، وأثار تساؤلات عما إذا كانت هناك جهات نافذة تحاول طمس الحقيقة تمهيداً إلى تفريغ القضية من محتواها، قبل لفلفة الموضوع كما درجت العادة عندما يكون المعنيون من الحزب.

 

وأشار الحلبي إلى أن ما يزيد هذه الشكوك هو ما جرى تسريبه في الساعات الأخيرة بشأن رفض رئيس الجمهورية جوزاف عون إحالة الملف إلى المجلس العدلي، علماً بأنه لم يصدر عن القصر الجمهوري حتى الآن أي تأكيد أو نفي لهذه المعلومات.

 

وشدد على أن خطورة القضية تكمن في طبيعة المواد المضبوطة وكميتها، قائلاً إن الأمر لا يتعلق بمسدس أو بندقية أو حتى بكمية محدودة من الذخيرة، بل بمواد شديدة الانفجار يمكن استخدامها في تصنيع عبوات ذات قدرة تدميرية كبيرة، ولا سيما أن مصادر تحدثت عن وجود كرات حديدية ومسامير مضافة إلى العبوات.

وأضاف أن هذه القضية تستحضر الذاكرة اللبنانية المثقلة بمرحلة الاغتيالات والتفجيرات التي ضربت البلاد، ولا سيما بين عامي 2005 و2013، حين شهد لبنان سلسلة من العمليات التي تركت آثاراً عميقة في أمنه واستقراره ومساره السياسي.

 

وقال الحلبي إن اللبنانيين يتذكرون جيداً السيارات المفخخة والعبوات الناسفة والاغتيالات السياسية التي أسهمت في إعادة رسم المشهد السياسي بعد انتفاضة 14 آذار 2005، معتبراً أن ضبط كمية كبيرة من المواد المتفجرة في الظروف الراهنة يكفي لإعادة هذه الهواجس إلى الواجهة، حتى وإن لم يتوافر حتى الآن دليل يثبت أن الشحنة كانت مخصصة لتنفيذ عملية اغتيال.

ولفت إلى أن خطورة الحادثة لا تقتصر على الشحنة المضبوطة، بل تتصل أيضاً بوقوع حوادث مماثلة سبقتها، الأمر الذي يؤكد، بحسب تقديره، أننا أمام عمليات منظمة لنقل المتفجرات إلى لبنان، وليس أمام حادثة عابرة أو واقعة معزولة.

 

وأشار الحلبي إلى أن القلق في الساحة السياسية الداخلية يتضاعف لأن الحادثة جاءت بعد تهديدات علنية صدرت على لسان أعضاء في حزب الله ومقربين منه بحق عدد من القادة اللبنانيين الذين يعتبرهم الحزب، وفق تعبيره، متآمرين على "المقاومة". ورأى أن تزامن هذه التهديدات مع ضبط الشحنة يطرح أسئلة خطيرة بشأن خلفياتها والجهات التي تقف وراءها، ويستدعي كشف الحقيقة كاملة أمام اللبنانيين.

وفي المقابل، قال الحلبي إن المقربين من حزب الله يطرحون سؤالاً مشروعاً من وجهة نظرهم: ماذا لو كانت هذه الشحنة معدّة لتنفيذ عمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب؟

 

وأضاف أن هذه الفرضية لا يمكن إغفالها، لكنها تطرح في الوقت نفسه إشكالية خطيرة تتصل بالتزامات الدولة اللبنانية وتعهداتها في المفاوضات. فإذا كانت الشحنة معدّة للاستخدام جنوب نهر الليطاني، فإن السماح بنقل هذه المتفجرات لاستخدامها هناك سيُعدّ خرقاً خطيراً لتعهدات الدولة اللبنانية، وسيؤدي إلى إضعاف موقفها التفاوضي.

 

وأوضح أن القضية ستعيد، في هذه الحالة، السجال القديم المتجدد بين فريق يرى أن السماح بوجود السلاح جنوب الليطاني سيبرر استمرار الاحتلال الإسرائيلي، وفريق آخر يعتبر أن الاحتلال يفرض الحق في المقاومة. غير أن هذا السجال يجري هذه المرة في ظل ظروف مختلفة، إذ لم يعد حزب الله في موقع يسمح له بفرض مواقفه على الآخرين بالقدرة نفسها التي امتلكها في مراحل سابقة، نتيجة الظروف والتطورات التي أسهمت في إضعافه خلال السنتين الأخيرتين.

 

واستحضر الحلبي، في هذا السياق، حادثة انقلاب الشاحنة التي كانت تنقل أسلحة في منطقة الكحالة قبل نحو ثلاث سنوات، مشيراً إلى أن حزب الله استطاع آنذاك تطويق الناس الذين تجمعوا في المكان والاشتباك معهم من أجل تأمين إعادة نقل السلاح، الأمر الذي أدى إلى سقوط قتلى وجرحى.

وأضاف أن ما جرى في الكحالة يعكس حجم النفوذ الذي كان الحزب يتمتع به وقدرته على فرض وقائع ميدانية، في حين أن المشهد يبدو مختلفاً اليوم، بعد ضبط شحنات عدة من الأسلحة في البقاع، المنطقة التي يتمتع فيها الحزب بنفوذ واسع، من دون أن يتكرر السيناريو نفسه.

 

ولفت إلى أن التطور الأبرز في المرحلة الحالية يتمثل في بروز عزم لدى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية على اعتقال عناصر من حزب الله والادعاء عليهم وتمديد توقيفهم على ذمة التحقيق، وهو ما يشكل، بحسب رأيه، مؤشراً لافتاً إلى تغير في طريقة تعامل المؤسسات القضائية مع هذه الملفات.

وختم الحلبي بالقول إن السبب في هذا التحول يعود، في تقديره، إلى أن الدولة العميقة في لبنان، وإن كانت تجاري حزب الله في أكثر من ملف، فإنها لن تقبل بأن يحرجها أمام الولايات المتحدة، ولا سيما في ما يتعلق بتمرير السلاح إلى الجنوب وإضعاف موقفها التفاوضي.

 

وأضاف أن الدولة قد تجاري الحزب في ملفات متعددة بفعل موازين القوى الداخلية، لكنها لن تقبل بأن يؤدي ذلك إلى إضعاف موقعها أمام الولايات المتحدة أو تقويض موقفها في المفاوضات المتعلقة بالجنوب. ومن هنا، فإن قضية شاحنة المتفجرات في ضهر البيدر لا تتعلق بمجرد ضبط كمية كبيرة من المواد المتفجرة، بل تكشف عن صراع أوسع حول سلطة الدولة وقدرتها على فرض قراراتها، وحول ما إذا كانت ستتمكن من كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، أم أن النفوذ السياسي سيؤدي مرة أخرى إلى لفلفة القضية وطمس ملابساتها.