العميد مصطفى حمدان يناقش أزمة الجمود في التيارات القومية واستعادة القرار العربي المستقل
أجرى اللقاء: نبيل شحاده
في مرحلة تعجّ بالمتغيرات الكبرى التي تعصف بالمنطقة العربية وتُعيد رسم توازناتها، ووسط مشهد لبناني داخلي يئن تحت وطأة أزمات بنيوية متشابكة وفراغات سياسية متلاحقة، تعود للواجهة تساؤلات ملحة حول مصير التيارات العروبية والوطنية التي طالما طبعت تاريخ النضال في بيروت ولبنان.
تُعدّ حركة الناصريين المستقلين - "المرابطون" اسماً محفوراً في وجدان العاصمة والشارع اللبناني، بوصفها قوة مقاومة شعبية صنعت محطات فارقة في مواجهة الاحتلال، وركناً أساسياً في المعادلة الوطنية. ومن قلب هذا الإرث، يبرز الحضور الدائم للعميد مصطفى حمدان، أمين الهيئة القيادية للحركة، كشاهد ومطلع على تفاصيل المشهد العسكري والسياسي والدستوري في لبنان.
ويُسلط الجزء الأول من هذه المقابلة الضوء على المراجعة الفكرية العميقة للتيار الناصري والقومي العربي، بعيداً عن أسر الماضي والشعارات الاستهلاكية. يؤكد الحوار أن الفكر الناصري يظل حياً ومتلائماً مع روح العصر الحديث إذا ما أُحسن تطويع أدواته لمواجهة التحديات الراهنة، مع ضرورة قراءة التحولات الإقليمية بعين وبصيرة علمية تحفظ القرار المستقل للأمة العربية وتواجه مشاريع الهيمنة.
السؤال الأول: في ظل التحولات الكبرى والمتسارعة في لبنان والعالم العربي، هل ما زالت "الناصرية" أيديولوجية قادرة على تقديم حلول، أم أنها تحولت إلى شعور وجداني وتاريخي يحتاج إلى إعادة تعريف؟
جواب: الناصرية بالنسبة إلينا ليست حنينًا إلى الماضي، وليست صورة جمال عبد الناصر معلّقة على الحائط. الناصرية كانت فعلًا ثوريًا ومشروعًا قومياً عربيًا يرتكز على مركزية الوطن العربي، الممتد من المحيط إلى الخليج العربي، استناداً لأساسيات الفكر القومي العالمي الذي انتشر في بدايات القرن العشرين، وكان الحل الجذري لمواجهة التخلف والاستعمار الغربي والشرقي وطروحاته بإلغاء جوهر الدين المقدس، وإنزاله ليكون فكراً دنيوياً ليخوض الصراعات الدنيوية ينتصر وينهزم ويؤمن استمرارية الهيمنة الإمبريالية الاستعمارية، هذا الفكر القومي العربي خاطب الوجدان والعقل في خمسينات القرن الماضي، في ثلاث دوائر حددها جمال عبدالناصر في كتابه المفيد :"فلسفة الثورة"، الدائرة الوطنية والدائرة العربية والدائرة الدولية للشعوب المظلومة والمستغلة من الاستعمار آنذاك بحسب هذا الفكر، وأن يكون قرار الأمة العربية بيد أبنائها، وأن تكون ثرواتها لخدمة شعوبها، وتطورها وازدهارها والمساهمة في المسار الحضاري العالمي الانساني اقتصاديا ً وسياسياً، لأن الإنسان الجائع والجاهل لا يستطيع أن يمارس حريته وديمقراطية خياراته السياسية في صنع قرار وطنه، وأن يكون الإنسان العربي حرًا في وطنه، مرفوع الرأس، وغير خاضع للهيمنة الأجنبية.
اليوم، هل نستطيع أن نأخذ الناصرية كما كانت في الخمسينيات والستينيات ونضعها في عام 2026؟ لا. الزمن تغيّر، والمنطقة تغيّرت، والعالم تغيّر. ومن يقول غير ذلك لا يقرأ التاريخ ولا يفهم حركة الزمن، والعروبة الحضارية متقدمة في تجربة إيجاد الحلول للواقع العربي الانساني، واذا أخذنا المعايير الحديثة في تعريف هذه الحلول، نجد أن ما قاله عبدالناصر في ذاك الزمان على مواقع التواصل الاجتماعي الآن، تتفوق بأرقام مذهلة تبلغ الملايين من المشاهدين والمستمعين، والملاحظ أن من يلجأ إلى هذا الفكر الناصري القومي هم الشباب، وأكثرية من كان أجداده يعادون عبدالناصر في شبابه، الناصرية فكر يتطور ويجتهد مع المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتقدمة في زماننا الحديث.
لكن هل انتهت الناصرية؟ أيضًا لا. لأن القضايا التي جاءت الناصرية لتطرحها لم تنتهِ. من يملك القرار العربي؟ لماذا لا تزال الأمة العربية عاجزة عن تحويل إمكاناتها الهائلة إلى قوة سياسية واقتصادية مستقلة؟ أين العدالة الاجتماعية؟ أين التنمية؟ وأين القرار العربي المستقل عندما تتعرض المنطقة لإعادة رسم خرائطها وتوازناتها؟
هذه الأسئلة ما زالت قائمة، ولذلك فإن الفكرة لم تمت. الذي يجب أن يموت هو الجمود، وتجديد الأطر النضالية القديمة إلى أطر نضالية جديدة وحديثة، ترتكز على تجربة الماضي والمسار التاريخي والأحداث المستجدة، هذا الاجتهاد في تغيير الأطر النضالية يجب أن يتم مهما كانت النتائج، وعلينا عدم الاستهاب والخوف من صنع هذه القرارات الجذرية في مواكبة عصرنا الحديث.
أنا لا أريد ناصرية محفوظة في الكتب، ولا أريد مرابطون يعيشون على ذكريات الماضي. نريد ناصرية جديدة، ناصرية تعرف كيف تخاطب شباب اليوم، وكيف تتعامل مع الاقتصاد والتكنولوجيا والإعلام، وكيف تبني دولة المؤسسات، وكيف تحمي القرار الوطني والقومي.
إعادة صياغة الفكر القومي العربي على النهج الناصري ليس خيانة لعبد الناصر، بل هي وفاء حقيقي له، لأن عبد الناصر نفسه لم يكن رجلًا يعيش على الماضي؛ كان ينظر إلى الأمام ويعرف أن كل مرحلة لها أدواتها.
نحن نأخذ من الناصرية جوهرها: الاستقلال الحقيقي المرتكز على حرية الوطن والمواطن، والكرامة الفردية والوطنية، والعدالة الاجتماعية المرتكزة على تكافؤ الفرص لكل أطياف المجتمع، والوحدة العربية المتكاملة في السياسة والاقتصاد والأمن القومي الاستراتيجي والأمن الداخلي في مكافحة الارهاب والفاسدين والمفسدين، ورفض التبعية شرقا وغربا، وامتلاك القرار السيادي. أما الوسائل والأدوات والشعارات، فهذه قابلة للنقاش والتطوير وفق الزمن.
أنا أقولها بصراحة ويقين تام الناصرية لن تبقى مجرد عاطفة، وخطابات عبد الناصر، بل تتحول دائماً وأبداً لتكون جزءً مؤثراً فعالاً في التقدم والازدهار التاريخي العربي والعالمي، نحن نسعى أن نحولها إلى مشروع معاصر، يجيب عن أسئلة الناس ويواجه أزمات لبنان والأمة، نهج قادر على أن يستعيد دوره في الاستجابة لمنطق التحديث والتطور،
نحن لا نريد أن نعيد زمن عبد الناصر؛ نحن نريد أن نعيد للإنسان العربي وعيه وثقته بأنه يستطيع أن يصنع زمنه ومواطنيته بنفسه.
السؤال الثاني: كيف يقرأ العميد مصطفى حمدان واقع التيارات القومية والعروبية اليوم، ولماذا تبدو غائبة أو متراجعة عن لعب دور الطليعة في صناعة القرار العربي مقارنة بعقود مضت؟
جواب: نحن نواجه اليوم، الازمة الكبرى العميقة، في الدائرة الوطنية، والواقع العربي، والمحيط الاقليمي والمسرح العالمي ككل. نحن في خضم كتابة مفصل تاريخ جديد دولي عنوانه المركزي بناء مستحدث للمنطقة المتوسطة اقتصاديا وسياسيا، وفكرا عقائديا دنيويا مطبّعاً مع اولويات عواصم القرار غربا وشرقا، التي تعيد ترتيب مواقعها المهيمنة سياسيا في الإستراتيجيات العليا ومصالحها الاقتصادية. هناك من يريد أن يجعل من الساحة العربية مجرد ساحات لتسويات الآخرين.
ان مسارات المواجهة للمتغيرات في العمل الوجودي للامة وتجميع عناصر قوتها، يدفعنا الى عدم التعامل مع التيارات القومية العربية وكأنها انتهت أو أصبحت من الماضي. المشكلة، في رأيي، ليست في العروبة ولا في الفكر القومي العربي. ازمة الجمود هي في القوى التي حملت هذا الفكر، وفي قدرتها على تحويله من شعار إلى مشروع متحرر ديناميكي متقدم يواجه ولا يتلقى، ومن ذاكرة نضالية إلى فعل سياسي، اجتماعي اقتصادي حديث.
نحن لا نستطيع أن نبقى أسرى أمجاد الماضي، ولا أن نعيش على صور المعارك والانتصارات السابقة والتي كانت من اهم العوامل التي ادت الى سقوط دول قومية. المطلوب أن نقرأ الواقع الجديد وأن نعرف أين تقف الأمة، ومن يملك قرارها، ومن يحاول أن يصادر هذا القرار من الغرب والشرق بطروحات متدينة ودنيوية تخفي حقيقة مشاريع الهيمنة السياسية والاقتصادية في الإستراتيجيات العليا.
لقد تراجعت التيارات القومية العربية عن موقع الطليعة لأن الساحة العربية تعرضت لضربات متتالية: انقسامات داخلية، حروب، مشاريع طائفية ومذهبية، وتدخلات إقليمية ودولية. لم تستطع هذه التيارات أن تطور أدواتها بما يتناسب مع حجم التحولات التي حدثت.
أما التوازنات والتسويات الجديدة بين عواصم القرار العربي، وبالتحديد جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية، فهي واقع يجب أن نقرأه ببصيرة ووعي وإدراك علمي لوقائع المواجهة في الازمة الكبرى. لا نرفض الحوار والتسويات، لكن السؤال هو: تسويات لمصلحة من؟ وهل تعيد للعرب قدرتهم على امتلاك قرارهم، أم أنها تعيد توزيع الأدوار بينهم وفق مصالح القوى الكبرى؟
نحن نحتاج إلى إعادة الاعتبار لفكرة أن القرار العربي يجب أن يكون عربيًا، وأن العروبة ليست مجرد عاطفة أو نشيد أو ذكرى تاريخية، أو كومبارس يصفق لأبطال الأفلام السياسية في هذا الزمن الرديء إقليمياً ودوليا بل هي مشروع سياسي ومصيري.
إذا أرادت التيارات القومية العربية أن تستعيد دورها، فعليها أن تعيد بناء نفسها، وأن تكون في قلب قضايا المواطنين سياسيا واجتماعيا واقتصاديا، وأن تقدّم رؤية واضحة ومفاهيم حديثة علمية ودقيقة للوطن اللبناني وللعالم العربي، لا أن تكتفي بالحديث عن الماضي.
المطلوب ليس أن نعيد الماضي، فهذا مستحيل، وإنما أن نستخلص منه القوة والخبرة ونبني عليها للمستقبل. الطليعة لا تُمنح لأحد، الطليعة تُنتزع بالفعل والموقف والقدرة على حماية مصالح الأمة والدفاع عن قرارها المستقل.
السؤال الثالث: تشهد المنطقة العربية توازنات وتسويات جديدة بين عواصم القرار. كيف ترون انعكاس هذه التحولات العربية الإقليمية على الساحة اللبنانية، وهل تملك القوى الوطنية والعروبية القدرة على الاستثمار فيها أم أن لبنان ما زال رهينة للتدخلات الخارجية؟
جواب: لبنان لا يعيش خارج محيطه العربي، ولا يستطيع أن يعزل نفسه عن التحولات التي تجري في المنطقة. وكلما تغيّرت موازين القوى العربية والإقليمية، انعكس ذلك بصورة مباشرة على الواقع اللبناني، لأن لبنان كان دائمًا ساحة تتقاطع فيها المشاريع والمصالح العربية والإقليمية والدولية.
لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: هل هناك تدخلات خارجية؟ السؤال هو: لماذا نسمح بأن يصبح الداخل اللبناني قابلًا لهذا التدخل؟ عندما يكون البيت اللبناني منقسمًا، وعندما يغيب المشروع الوطني الجامع، تصبح الساحة مفتوحة أمام الآخرين. التدخل الخارجي يجد دائمًا منفذًا له من خلال الانقسام الداخلي.
أما القوى الوطنية والعروبية، فإذا أرادت أن تستثمر في التحولات العربية الجديدة، فعليها أولًا أن تستعيد حضورها في الداخل اللبناني، وأن تخرج من حالة الانتظار والتفرج. لا يمكن أن تكون عروبيًا فقط عندما نتحدث عن فلسطين أو عن القضايا القومية؛ العروبة تبدأ أيضًا من حماية لبنان، ومن حماية مؤسساته، ومن الحفاظ على وحدته وقراره الوطني.
نحن نريد لبنان العربي، لبنان الذي ينتمي إلى محيطه ولا يكون تابعًا لأحد. والانفتاح على الأشقاء العرب يجب أن يكون عنصر قوة للبنان، لا مدخلًا لتحويله إلى ساحة صراع بين الآخرين.
لذلك، نعم، هناك فرصة أمام القوى الوطنية والعروبية، ولكن استثمارها لا يكون بالشعارات ولا بالحنين إلى الماضي. يكون بإعادة بناء قوة سياسية وطنية، وبخطاب عروبي حديث، وبالوقوف إلى جانب الدولة والمؤسسات، وبأن يصبح القرار اللبناني نابعًا من المصلحة اللبنانية أولًا، ضمن انتمائه العربي الطبيعي.
لبنان لا يستطيع أن يمنع الآخرين من محاولة التأثير فيه، لكنه يستطيع أن يمنع تحويل هذا التأثير إلى وصاية دائمة، عندما يمتلك اللبنانيون مشروعًا وطنيًا واضحًا وإرادة سياسية تحمي قرارهم.
أنا أعتقد أن المشكلة ليست في اتفاق الطائف كنص، بقدر ما هي في عدم تطبيقه تطبيقًا كاملًا وصحيحًا. لقد جرى التعامل مع الطائف في كثير من الأحيان كأنه مجموعة من التوازنات السياسية التي يمكن لكل طرف أن يأخذ منها ما يناسبه، بينما تُترك البنود الإصلاحية الأساسية جانبًا.
الطائف وضع مسارًا للخروج من الحرب وبناء دولة المؤسسات، وتحدث بوضوح عن إصلاح النظام السياسي، وعن إلغاء الطائفية السياسية، وعن بناء دولة قادرة على إدارة شؤون اللبنانيين على أساس المواطنة والمؤسسات. لكن ماذا حصل؟ بقيت الطائفية السياسية حاضرة، وبقيت المحاصصة، وبقيت الدولة عاجزة عن استكمال عملية بناء المؤسسات.
وهنا أقول بصراحة: لا يمكن أن نحمّل اتفاق الطائف وحده مسؤولية ما وصل إليه لبنان. علينا أن نسأل من عطّل تطبيقه، ومن استفاد من بقاء النظام على حاله، ومن حوّل الدولة إلى مجموعة حصص ومواقع بدل أن تكون دولة لجميع اللبنانيين.
المشكلة البنيوية في لبنان هي أن هناك قوى سياسية اعتادت أن تتعامل مع الدولة باعتبارها غنيمة، لا باعتبارها مؤسسة وطنية. وكلما اقتربنا من إصلاح حقيقي، عادت الحسابات الطائفية والمصلحية لتمنع الوصول إليه.
أما اليوم، فالمطلوب ليس فتح معركة جديدة حول الطائف، ولا العودة إلى نقطة الصفر، وإنما تطبيق ما تم الاتفاق عليه واستكمال الإصلاحات التي بقيت معلقة. نريد دولة فعلية، ومؤسسات تعمل، وقضاءً مستقلًا، ومجلسًا نيابيًا يمثل اللبنانيين على أساس المواطنة، وإدارة لا تقوم على المحاصصة.
الطائف بالنسبة إلينا يجب أن يكون مدخلًا لبناء الدولة، وليس عنوانًا دائمًا لتقاسم السلطة. وإذا أردنا إنقاذ لبنان، فعلينا أن ننتقل من منطق التسويات المؤقتة إلى منطق الدولة والمؤسسات، لأن استمرار الأزمة ليس قدرًا محتومًا على اللبنانيين.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook