تنسيق ميداني وغطاء سعودي استراتيجي يعيدان رسم موازين باب المندب
زياد سامي عيتاني - شكّلت عملية "فجر اليمن" محطة فارقة في إدارة الصراع الميداني باليمن. فنتائجها لم تقتصر على تحريك الجبهات واستعادة مواقع جغرافية، بل كسرت حالة "اللاسلم واللاحرب" وفرضت معادلة قوة جديدة لصالح مؤسسات الدولة الشرعية. وتكمن أهميتها في أنها قدّمت نموذجاً لاندماج التخطيط الميداني اليمني الموحد، الذي جمع الجيش الوطني وألوية العمالقة وقوات درع الوطن، مع غطاء استراتيجي سعودي ضم التفوق الاستخباراتي والجوي والإسناد اللوجستي والمظلة السياسية اللازمة لحماية الملاحة الدولية في مضيق باب المندب والساحل الغربي.
الدور السعودي: من التخطيط إلى الميدان
تجاوز الدور السعودي في العملية حدود الإسناد العسكري التقليدي، فقد جمع بين السيادة الجوية والتخطيط التكتيكي والإمداد المتواصل والتغطية السياسية والإقليمية. وأدارت القيادة السعودية العمليات عبر غرفة عمليات مشتركة نسّقت التحركات البرية للتشكيلات اليمنية المختلفة، ما أتاح انسجاماً تكتيكياً عالياً على الأرض. واستند التحرك إلى مسح استخباراتي دقيق عبر شبكات الاستطلاع والأقمار الصناعية، حدّد مراكز القيادة والسيطرة ومخازن الأسلحة النوعية ومنصات الرادار قبل انطلاق الهجوم البري بساعات. كما رُبطت محاور الساحل الغربي بمحاور تعز ومأرب، لمنع الخصم من نقل قواته أو حشد تعزيزات متوازنة للرد.
وفي الجانب الجوي، شاركت نحو 100 طائرة مقاتلة أمّنت تفوقاً جوياً كاملاً على مسرح العمليات طوال فترة الهجوم. وبحسب الناطق باسم التحالف، اللواء الركن تركي المالكي، استهدفت الضربات الاستباقية في الساعات الأولى 324 هدفاً عالي القيمة، شملت مراكز القيادة والسيطرة ومواقع الرادار ومنصات الدفاع الجوي ومخازن الذخيرة الاستراتيجية، الأمر الذي أربك منظومة القيادة المقابلة. ورافق ذلك دعم جوي قريب للوحدات المتقدمة، ودكّ للتحصينات الجبلية الصعبة في ريف تعز ومأرب، ما سهّل تقدم المشاة والآليات وتجاوز حقول التحصين المعقدة.
ولم يقف الدعم عند القتال، إذ أُقيمت منظومة لوجستية متكاملة أمّنت شريان المعركة عبر جسر جوي وبري نقل الذخائر والآليات المدرعة والمعدات الهندسية المخصصة لفتح الثغرات وتفكيك الألغام. ونُشرت منظومات دفاع جوي متقدمة لحماية المناطق المحررة وخطوط الإمداد خلف القوات المتقدمة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة. وعلى الصعيد الإنساني، جرى تشغيل مستشفيات ميدانية وإجلاء الجرحى، بالتوازي مع خطط إغاثة عاجلة نفّذها مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية فور استعادة المناطق.
وتحرك ذلك كله تحت مظلة ردع سياسي وإقليمي شملت الحماية الجوية والبحرية لمضيق باب المندب وجزيرة ميون. ومنح ذلك العملية بُعداً دولياً بوصفها تأميناً لخطوط التجارة البحرية العالمية، وحمل رسائل تحذير من أي تدخل إقليمي مساند للمليشيات.
أربعة محاور تعيد رسم الخارطة
يتضح هذا التكامل العسكري عند النظر إلى المحاور الأربعة المتزامنة التي تقدمت عبرها القوات الشرعية.
-الساحل الغربي وباب المندب: شكّل هذا المحور مركز الثقل الجيوسياسي للعملية. فقد أحكمت القوات سيطرتها على العقد الحاكمة للملاحة الدولية، وفي مقدمتها رأس مضيق باب المندب وجزيرة ميون، ما أمّن الممر المائي وأنهى أي تهديد مباشر للتجارة البحرية. وتلا ذلك تحرير مديرية ذو باب ومطارها العسكري ومعسكر العمري الاستراتيجي، مع حصار الجيوب المتحصنة وتطهيرها، ثم قطع شريان "ذو باب – المخا" واستعادة مدينة المخا وميناءها، والاندفاع شمالاً نحو الخوخة لتأمين امتداد الشريط الساحلي.
-ريف تعز الغربي والجنوبي: تزامنت مع ذلك عمليات هجومية مكثفة على المرتفعات الحاكمة لفك الحصار عن المدينة. وجرى تطهير السلاسل الجبلية التي استُخدمت منصات لإطلاق الصواريخ والمدفعية باتجاه تعز والساحل الغربي، وفتح وتأمين المحاور الرابطة بين المدينة والساحل، ما وسّع نطاق الأمان اللوجستي للجيش الوطني وسهّل وصول الإمدادات والمساعدات.
-جنوب مأرب: في الجبهة الجنوبية لقطاع مأرب، تقدمت القوات نحو معسكر "أم ريش" الاستراتيجي، وطهّرت مواقع تكتيكية واسعة في منطقة "قرون البور".
-شمال غرب مأرب: استعادت القوات مواقع حيوية في "سائلة رغوان"، بالتوازي مع غارات جوية مكثفة دمّرت مخازن أسلحة في جبال هيلان وخطوط تحريك التعزيزات.
وقد هدف اتساع العمليات إلى مأرب شرقاً إلى تشتيت قدرة المليشيات على نقل قواتها أو تنفيذ مناورات مضادة.
الأبعاد الاستراتيجية
تؤكد النتائج الميدانية أن العملية لم تكن مجرد سلسلة من المكاسب الجغرافية، بل تحوّل في طبيعة المواجهة. فقد انتقلت القوات الشرعية من موقع الدفاع وردّ الفعل إلى موقع المبادرة وفرض المعادلات، وأُنهي جمود "اللاسلم واللاحرب" الذي استنزف الأطراف سنوات طويلة، وبات الحديث عن ميزان القوى يستند إلى وقائع جديدة على الأرض.
ويبرز البعد الجيوسياسي في وضع مضيق باب المندب والموانئ الحيوية على الساحل الغربي تحت إدارة القوات الشرعية والتحالف العربي، وهو ما يمنح هذه القوى ورقة ضغط وازنة في أي مسار سياسي لاحق، ويحدّ من قدرة خصومها على تهديد الملاحة أو توظيفها سياسياً. ويرتبط بذلك بعد اقتصادي ودولي، إذ يعني تأمين الممر المائي حماية أحد أهم شرايين التجارة العالمية.
أما على المستوى العسكري، فيرى كاتب المقال أن العملية قدّمت نموذجاً قابلاً للتكرار، يقوم على توحيد التشكيلات اليمنية تحت تخطيط ميداني واحد، وإسنادها بتفوق تكنولوجي واستخباراتي وغطاء سعودي شامل. ويرى أن هذا النموذج قادر على إحداث تحولات سريعة وحاسمة في مسار الأزمة، وعلى ترسيخ الاستقرار والأمن الإقليميين والدوليين.
ما بعد الميدان: مسار لا معركة
تُظهر "فجر اليمن" أن موازين الصراع لا تتغير بالقوة العسكرية وحدها، بل بتكامل عناصرها: قرار سياسي واضح، وتخطيط ميداني موحد، وتفوق جوي واستخباراتي، وإمداد لا ينقطع. وفي قلب هذا التكامل برز الدور السعودي عنصراً حاسماً ربط هذه الأوراق في منظومة واحدة، وحوّل جهد التشكيلات اليمنية إلى مكاسب استراتيجية على الأرض.
وهكذا لا تُقرأ العملية بوصفها معركة منفصلة، بل مساراً متكاملاً تتصل حلقاته: من الاستطلاع والتخطيط، إلى الضربات الجوية الاستباقية، فالتقدم البري عبر المحاور الأربعة، فالإمداد والحماية والإغاثة، وصولاً إلى تثبيت المكاسب وتوظيفها سياسياً. وما تحقق في باب المندب والساحل الغربي وتعز ومأرب ثمرة هذا المسار بكل مراحله، وهو ما يمنح الدولة الشرعية وحلفاءها موقعاً أقوى لما بعد الميدان.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook