الدكتور محمد منصور: نصوص التوراة الحقيقية تسقط المزاعم الصهيونية حول فلسطين

الدكتور محمد منصور: نصوص التوراة الحقيقية تسقط المزاعم الصهيونية حول فلسطين

 

أجرى اللقاء: نبيل شحاده

توّج هذه الرحلة الفكرية مع الدكتور محمد مصطفى منصور بتقديم استنتاجات كبرى تمس صلب الوعي التاريخي والسياسي والمعاصر، تؤكد أن أم القرى ومكة المكرمة وما حولها هي الأرض المقدسة وليست فلسطين، وأن بني إسرائيل التاريخيين هم قبائل عربية من ذرية إبراهيم عليه السلام. وفي المقابل، تثبت دراسات الحمض النووي أن غالبية يهود اليوم لا علاقة لهم بتلك الجذور التاريخية، بل ينحدرون من شعوب غربية وقزوينية. ورغم الصمت الأكاديمي المتعمد والتجاهل من الدوائر الغربية والإسرائيلية، تفتح هذه الطروحات الجريئة الباب واسعاً أمام إعادة قراءة التاريخ الجاهلي وديوان العرب المفقود، وتؤسس لوعي جديد يربط بين نصوص التوراة ومواقع أحداثها الجغرافية الحقيقية في جزيرة العرب.

 

5- من هو المستفيد الأكبر من إخفاء الهوية العربية الحقيقية للنصوص التوراتية طوال هذه القرون؟

 لا نستطيع القول بأن هناك مستفيدًا ومتضررًا، لأن الأمور مشت بعفوية ولم تحدث بشكل متعمد، وبرأيي أن اليهود وقعوا في كيد إلهي عظيم. تخيّلوا لو أن الحركة الصهيونية، التي انطلقت في اواخر القرن 19م، كان لديها العلم والاعتقاد بأن أرض الميعاد المنتظرة هي مكة المكرمة! فبلاد المسلمين، بعد انهيار السلطنة العثمانية، باتت العوبة في يد الدول الاستعمارية الكبرى التي كانت لها القدرات لاحتلال كامل المنطقة. فالله -سبحانه وتعالى- حمى جزيرة العرب وأبعد عنها كيد المستعمرين والمحتلين.

ولاحظوا كيف أن بعثات الاستكشاف الأثرية التي أُنفِق عليها مئات الملايين من الدولارات في تلك الأيام، من أوروبا ومن أمريكا، كان جل اهتمامها بوادي النيل، علما أن الآثار التي تسمى اليوم بالآثار الفرعونية لا علاقة لها بمصر التوراة والقرآن.  والآن، الجيل الجديد من علماء الآثار في مصر يعملون على إعادة تسميتها بالآثار الكيميتية. مصر الحالية لم تُعرف باسمها هذا إلا في العصر الإسلامي ونزول القرآن. واليوم، مع انكشاف هذه الأسرار، لم يعد بالإمكان أن يجرؤ أحد على احتلال أو استعمار أقدس موقع للمسلمين.

وفلسطين ليست هي أرض الميعاد، واليهود يوجد منهم بضع مئات من الآلاف فقط بينهم من أصول شرق أوسطية؛ غالبيتهم من سبط اللاويين، ومنه الكهنة، وهم الذين تقيدوا حرفياً بالتعاليم التي تمنع الزواج من خارج الأسباط الإسرائيلية. والتأكد من هذا الشيء تم من خلال علم الأحماض النووية الحديث الذي يساعد على معرفة أصل الأجداد منذ آلاف السنين.

عندما أجرى أحفاد اللاويين فحوصاً لمعرفة اصول عائلة الكهنة وإلى أية عائلة جينية انتموا، تبين للجميع أن نحو 45% منهم تعود أصولها لعائلة "J1"، والذي أسماه عالم السلالات أناتولي كليوسوف، وهو أميركي من أصل روسي، بالجين العربي. وعندما ابتدأ عامة اليهود بإجراء فحوص الحمض النووي، تبين أن معظمهم لا ينتمون إلى "J1" بل إلى "R1" المرتبطة بسكان شرق أوروبا، أو"J2" وهم الخزر سكان نواحي بحر قزوين وبلاد فارس. والسفارديم الذين يقولون بأنهم ينتمون إلى شمال إفريقيا، تبيّن أنهم من E1".

على المقلب الآخر، فإن 70% من سكان المملكة العربية السعودية اليوم ينتمون إلى "J1"، الذي يمثّل الحمض النووي للنبي إبراهيم، كما تبيَّن من الدراسة على الكوهنيم الذين كانوا الأشد تمسكًا بالزواج من داخل الأسباط الأصليين فقط.  وكلما ابتعدنا إلى أطراف مثل منطقة الخليج تقلّ هذه النسبة بسبب الاختلاط عبر مئات السنين مع جاليات فارسية وهندية وبلوشية. ونفس الشيء في غرب المملكة، حيث يوجد اختلاط مع جينات وادي النيل وأفريقيا من عائلة "E1".

إذن، هذا إثبات علمي أن اليهود، اليوم، غالبيتهم ليست من بني إسرائيل، وإثبات آخر أن العرب هم ذرية إبراهيم التي تنحدر من إسماعيل وإسحق، وكذلك من أبناء زوجته الأخرى المعروفة ب "قطورة"، التي تزوجها بعد وفاة سارة.

وحتى لو أخذنا المزاعم التي يروجها الصهاينة على أن الأرض المقدسة هي لذرية إبراهيم، فهي كذلك اليوم، لأن الله -تعالى- لا يُخلف وعده للأنبياء والرسل. وبنو إسرائيل أصبحوا عدنانيين دخولًا بعد غزوة نبو خذ نصر، ومع ظهور الإسلام دخلوا في الدين الجديد، وهاجر منهم كثيرون إلى كل مناطق الفتوحات، ومن بقي هم اليوم من مواطني المملكة العربية السعودية.

اليوم، العرب لهم الحق أن يعرفوا تاريخهم في الجزيرة قبل الإسلام، فالتوراة هي ديوان العرب المفقود وأحداثها لا تدور إلا في الجزيرة، أما العراق فورد ذكره فقط في حادثة السبي. أما مصر التوراة والقرآن، وهي اثيوبيا واليمن، فورد ذكرها تكرارًا في قصص الأنبياء الأوائل من زمن إبراهيم ومن بعده، ولم تشمل التسمية وادي النيل الأسفل إلا عندما غزته الأسر الليبية والنوبية في بدايات الألفية الأولى ق. م. .

الحقيقة يجب ألا تزعج أحداً، ويجب أن توضع الأمور في نصابها الصحيح. واليوم، اليهود الموجودون في فلسطين هم شعوب غربية مستعمرة لأرض عربية، وأصولهم من مملكة قزوين المتهوّدة، وتهجروا إلى شرق أوروبا بفعل حملات المغول والتتار. ثم كانت هجرة اليهود من اسبانيا بعد سقوط الأندلس الى شمال إفريقيا وباقي أوروبا، والجميع هم أجداد يهود اليوم.

صحيح أنه وجدت حضارة لليهود في فلسطين ابتداءً من القرن الرابع ق. م. لكنه تم طردهم وتشتيتهم من قبل الرومان في العام 70 م ، وبعدها بقيت قلة دخلت في الإسلام مع الفتح العربي، وهذا ما يقوله "شلومو ساند" صاحب كتاب "اختراع الشعب اليهودي". وتأكيدًا، ذكر المؤرخ والأسقف وليم الصوري من العصر الصليبي (توفي في عام 1185م) أنه زار كل فلسطين ولم يجد هناك إلا رجلين من اليهود.

 

6- تؤكد أن بني إسرائيل التاريخيين هم قبائل عربية، وأن يهود اليوم لا علاقة لهم بهم. كيف يغير هذا الاكتشاف نظرتنا للمزاعم الصهيونية؟

جواب: في الفصول عن يشوع بن نون في كتبي، كما في التوراة، هناك تقسيماتٌ للأرض الموعودة على اثني عشر سبطاً إسرائيلياً، والأرض المقدسة في تهامة الحجاز اليوم هي من وادي حلي جنوباً إلى وادي العلا شمالاً، وبعض القبائل ما تزال تحتفظ بصيغة أسمائها الأولى منذ ثلاثة آلاف وأربعمئة سنة إلى اليوم.

أما الأثار القديمة في فلسطين، فلا تتجاوز سبعة أو ثمانية، والأرجح أنها كنعانية الأصل. الدكتور نيل سيلبرمان، والدكتور إسرائيل فينكلشتاين ألّفا كتاباً بعنوان "The Bible Unearthed"، وقد تُرجم إلى العربية. وفيه يؤكدان أنه لا توجد آثار تعود إلى زمن النبي داود وسليمان في القدس اليوم، مما يمثل عاصمة إمبراطورية كالمذكورة في العهد القديم ببواباتها وأحيائها، بل لا يوجد شيء يعود إلى ذلك التاريخ، بل كلها تعود إلى عصور متأخرة. كذلك كان رأي عالم الأثار والسياسي زئيف هرتزوغ الذي قال: إما أن العهد القديم هو من الأساطير التي دونت في بابل، وإما نحن في المكان الخطأ.

أول جالية إسرائيلية سكنت في فلسطين استقدمها الملك قورش، وأسكنها بمنطقة القدس، وجالية ثانية أيضاً إسرائيلية أسكنها في جزيرة فيلة بأعالي النيل، خلف السد العالي اليوم. وقبل زمن قورش، لم يكن هناك استيطان إسرائيلي في فلسطين. وفي القرن الرابع قبل الميلاد، بدأ اليهود المتمسكون بدينهم بالهجرة إلى فلسطين والعراق واليمن فرارًا من اضطهاد العدنانيين لهم في الجزيرة. وفي عام 332 ق. م.  انتصر الإسكندر على الفرس في العراق، وجاء إلى بيت المقدس، فدعاه اليهود للدخول إلى بيت صلاة لهم في القدس، مما يؤكد وجود جالية يهودية في ذلك الوقت.

القرآن الكريم يفرق بين مرحلتين: يتحدث عن بني إسرائيل من أيام الأنبياء الأوائل، وعن اليهود الذين كانوا على أيام النبي محمد -عليه الصلاة والسلام-، وكثير من هؤلاء ربما من أصول إسرائيلية؛ كالذين كانوا في واحات يثرب، وخيبر، وفدك، وتيماء.

تاريخيًا، وباختصار، كانت حضارة إسرائيلية مبكرة في غرب الجزيرة العربية، وحضارة يهودية لاحقة في فلسطين أيام اليونان والرومان. ويهود اليوم يظنون أن الحضارتين الأولى والثانية كانتا في فلسطين، وهذا غير صحيح. فالحضارة الثانية وحدها هي التي كانت في فلسطين.

المهم اليوم عند المسيحيين الصهاينة هي الحضارة الأولى المتعلقة بأورشليم. وأورشليم اسمها الحقيقي "عرش السلام". ومكة كان من أسمائها العرش والسلام، فهي مؤلفة من كلمتين: "عرش السلام"، أي المكان الذي يتربع فيه السلام، والسلام هو من أسماء الله الحسنى، والكعبة هي بيت الله الحرام. وكانت هي العاصمة الملكية منذ أيام سيدنا داود.

من يكسب ومن يخسر من الموضوع؟ الواقع أن الحقيقة ستكسب، وهي تشفي. والمملكة العربية السعودية عندها فرصة أن تصبح الولد المدلل عند الغرب بدل إسرائيل. واليهود عامة يكسبون من إثبات تاريخية كتابهم المقدس، بدل رأي علماء الآثار عندهم الذين باتوا يؤمنون بأنه من الأساطير التي دونت في بابل.

هل كان من حضارة يهودية في فلسطين؟ نعم، بالطبع، ولكن هذه ليست الحضارة المحبذة التي في خاطر اليهود والغربيين.. ومشكلة هؤلاء اليوم أنه إذا اعترفوا بالحقائق التي نتكلم عنها الآن، فهذا يكون اعترافًا صريحًا منهم بما أنزل على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي جاء ليتمم مكارم الأخلاق، وهو النبي الموعود في كتبهم، والذي كانوا ينتظرونه، وهو الذي أعاد القبلة من القدس في فلسطين إلى مكة المكرمة تنفيذاً للوحي في السنة الثانية للهجرة: (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)، وفي شرح ذلك، أن المسلمين في بداية الدعوة الإسلامية كانوا يتوجهون في صلاتهم نحو القدس، التي كان اسمها "إيلياء" أو "إيليا كابيتولينا" أيام الرومان والبيزنطيين. ومن يزور مسجد القبلتين في المدينة المنورة يرى محراباً باتجاه القدس وآخر باتجاه مكة المكرمة. وهنا يجب أن نعلم أن الهيكل الأول كان في مكة المكرمة من زمن آدم، وطُمر في زمن طوفان نوح، وأعيد بناؤه في زمن إبراهيم: (إِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)، وبقي البيت للحج إلى زمننا هذا.

وداوود هو من جعل مكة، أو عرش السلام عاصمة له، وسليمان هو الذي أعاد بناء البيت على أسس متينة، وجعله كعبة، أي بناءً مرتفعًا وليس على مستوى الأرض كما كان من أيام إبراهيم، وجعل لها أسسًا صلبة من الحجارة الضخمة التي ما زالت موجودة تحت الحرم في مكة المكرمة، وقد ظهرت اثناء توسعة الملك سعود لبناء نظام تصريف لمياه السيول. وقد ذكر المؤرخ الأزرَقي نقلاً عن جده؛ الذي عاصر عبد الله ابن الزبير الذي أعاد بناء الكعبة، أن الحجر الواحد كان أضخم من سنامي جملين، وأن هذه الحجارة هي من صنع الأوائل. هي بالتأكيد من صنع سليمان الذي سخّر الله له الجن لقطعها في الجبال المحيطة، وكذلك عمال السخرة لنقلها، واستغرقوا أربع سنوات لرصفها وبنائها. إذن، الكعبة في مكة المكرمة هي قدس الأقداس المذكورة في العهد القديم التي كان الكاهن الأكبر يصعد إليها مرة واحدة في السنة عبر سلَّم من درجات عديدة.  والهيكل السليماني هو الحرم المكي، وقد بني لحماية الكعبة من خطر السيول. وعند إعادة بناء الكعبة بعد هدم جيش نبوخذ نصر لها، حافظ النبيان زكريا وحجي على تصميمها الأصلي والصعود إليها بواسطة درج، ربما على اساس إعادة الهيكل حولها في زمن لاحق، وهو الأمر الذي لم يتم أبدًا. 

 

 7- ما هي أهم النتائج التي توصلتم إليها من خلال هذا البحث، وما هي انعكاساتها الحقيقية في زمننا المعاصر؟

جواب: أهم الاستنتاجات من البحث هي الآتي:
أولاً: أم
القرى، أي مكة المكرمة وما حولها، هي الأرض المقدسة التي كتبها الله لإبراهيم وليست فلسطين.

ثانياً: أن بني إسرائيل هم عرب بائدة (من الناحية السياسية) كانوا على الحنيفية، ثم على شريعة موسى عليه السلام، ثم على الكفر بعد غزوة نبوخذ نصر، ثم أصبحوا على الإسلام مع سيدنا محمد -عليه الصلاة والسلام-. وأن غالبية يهود اليوم، بمن فيهم الذين في فلسطين، لا ينتمون نسبًا لإبراهيم بحسب دراسات الأحماض النووية.

ثالثًا: أن نصوص التوراة، وعلى رأسها ألواح موسى، دُونت بلغة عربية قديمة هي لهجة كنانة الأولى التي سكنت تهامة الحجاز منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، وبخط جزم تخالف إملاؤه قواعد سيبويه في الكتابة.
وبذلك، على القاصي والداني أن يعرف أن اليهود، بتأثير من الحركة الصهيونية جاؤوا إلى المنطقة الخطأ. وعلماؤهم، كما ذكرنا في جزء سابق، قالوا إنهم لم يجدوا شيئاً من آثار الإسرائيليين الأوائل في أرض فلسطين. وآخرون ظنوا بأن قصص العهد القديم هي أساطير كُتبت في زمن السبي البابلي تقليداً منهم لغيرهم من الأمم والشعوب. وهذا غير منطقي، لأن من يريد التأليف ليس بحاجة لاختراع ألف اسم لمدن وقرى وملوك وأنبياء. وفي ذلك يقول عالم الآثار والسياسي زئيف هرتزوغ: "إما إنها أساطير، أو أننا في المكان الخطأ"، وهذا هو عين الصواب، وهو الحقيقة التي لا يستطيع غيره من الصهاينة الإقرار بها.

رابعًا: الهجرات الأولى لقبائل كنانة (الكنعانية) في زمن موسى ويوشع بن نون أتت إلى شرق المتوسط، واليونانيون أطلقوا عليهم اسم الفينيقيين، أي الحمر لأنهم أتوا من جهة البحر الأحمر. تعلموا وتكلموا لغة أهل البلاد الآرامية، ولاحقًا جلبوا من الجزيرة أبجدية أكثر تطورًا من الأبجدية الثمودية.

وكان إلى جانب الكنعانيين عشائر تعبد "الفلس" ولم تعرف ديانة التوحيد، وهؤلاء انتصر عليهم داوود وهجرهم، فمنهم من ذهب إلى اليمن والحبشة، ومنهم من جاء إلى ساحل شرق المتوسط، وسكنوا المنطقة من عكا ويافا وحيفا حتى اسدود وغزة، بينما وجود الكنعانيين الفينيقيين تركز من جبيل شمالًا حتى عكا جنوبًا. وتسمية المنطقة أرض فلستين بدأت في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وهيرودوت أكد ذلك عندما ذكر أنه بين مناطق الحثيين في تركيا ومناطق وادي النيل لم يكن سوى اقليمين، هما فينيقيا وفلسطين. والشيء نفسه ذُكر في تقسيم الملك داريوس الكبير لأجزاء الدولة الإخمينية، بينما لم يرد أي ذكر لإسرائيل أو اليهود.
 

8- هل تلقيت أي ردود فعل أو تفاعل من أفراد أو دوائر بحثية يهودية حول كتابك، وكيف كان شكل هذا التفاعل؟

جواب: حاولت التواصل مع أساتذة بالعلوم اللاهوتية بأوروبا وبأمريكا وألمانيا وبريطانيا، من اليهود وغيرهم، وأغلبهم لم يردوا، وبعضهم اعتذر. كان واضحاً أن لديهم محاذير من الدخول في نقاشات من هذا النوع، لا سيما أنهم يعملون في مراكز علمية وجامعات تدرّس العهد القديم والجديد، ومتخصصة بدراسات تاريخ الأنبياء والديانات وما يتعلق بها من الجغرافيا والآثار، وهذه المؤسسات معروف أنها تعيش على التبرعات والإعانات من المنظمات الصهيونية ورجال الأعمال اليهود. وكتبت مقالات علمية وأرسلتها إلى مواقع تعنى بعلم الآثار التوراتية، وكذلك حصل تجاهل تام من قبلهم.

وقبل سنوات أخبرني الأستاذ حسين شبكجي، وهو صحفي سعودي معروف، بأن كتابي الأول "التوراة الحجازية" هو قيد البحث في دوائر معينة داخل إسرائيل، وهم يحللون ويدرسون ويراجعون كل معلومة فيه.

وفي إحدى المرات تواصلت، بناء لنصيحة أصدقاء من السعودية، مع رجل دين يهودي أميركي مقيم في الشرق الأقصى ويعمل على التقارب بين أبناء الملل المختلفة، فسألته: " إن كان مسرح التوراة في فلسطين، فإلى أين ذهب النبي يونس؟"، فقال: إلى نينوى. فسألت: وإلى أين رجع؟  فقال: إلى فلسطين. قلت: نينوى في شمال العراق، فإن كنت ذاهبًا في مهمة إلى نينوى، وأردت العودة إلى فلسطين، فكيف تعود؟ فسكت، ولم ينبس بكلمة، لأنه فهم مقصودي. ثم سألته عن مكان حادثة الحوت التي يؤمن بها لأنها موجودة في العهد القديم فقال: في البحر. فسألته: وأي بحر يربط بين العراق وفلسطين؟ فسكت مجدداً، وانتهى الحوار عند هذا الحد بعد أن تبين له استحالة الأمر. 

لقد فضلوا أن يتجاهلوا الكتب حتى لا يعملوا لها دعاية مجانية، لأنه إن أرادوا الرد على ما جاء فيها، سينتشر صيتها، ويقبل عليها كثيرون ممن لم يسمعوا بهذه الطروحات من قبل. وربما لهذا الحقائق يجرب الإسرائيليون التقارب مع المملكة العربية السعودية، لأن الأصل والفصل كله في منطقة مكة، قبلة المسلمين.

 

9- ما هو الأمر المهم الذي ما زلت تنتظره لتتويج هذا المشروع الفكري؟

جواب:  الأمر المهم الذي ما زلت أنتظره لتتويج هذا المشروع الفكري هو أن يتصالح العرب مع تاريخهم المجهول قبل الإسلام. التوراة هي تاريخ الجزيرة المكنوز، وديوان العرب المفقود للفترة الجاهلية، من أيام نوح إلى أيام نبوخذ نصر. طوفان سيدنا نوح تم في الجزيرة فقط ولم يشمل كل الكرة الأرضية كما يظن البعض، فهو لم يرد في أدبيات كل من أوروبا وبلاد النيل وبلاد فارس والصين. وجدنا اخبارًا عن هذا الطوفان العظيم فقط في الكتابات السومرية التي تعود إلى بدايات الألفية الثالثة قبل الميلاد، لأن السومريين كانوا في جنوب العراق وعلى مقربة من المنطقة التي حصل فيها الطوفان.

هذا ما انتظره، وربما يحصل هذا في هذا الجيل أو الذي بعده. حاليًا يوجد عندنا نقص في المتخصصين بالتوراة والدين اليهودي والتاريخ اليهودي والتوراتي، ولا توجد كليات تهتم بذلك بشكل جدي. وكذلك في الجامعات اللاهوتية الموجودة في أوروبا والولايات المتحدة هناك نقص بالعَالِمِين عن جغرافية وتاريخ جزيرة العرب. كل المستشرقين الذين أتوا إلى المنطقة في الماضي كان هدفهم البحث عن ثغرات في القرآن الكريم أو في دين الإسلام، ولم يأت منهم من هو مقتنع أو معترف بصدق وعظمة الدين الإسلامي. والله - تعالى- شغلهم عن الحجاز، فذهبوا إلى بلاد النيل، حيث ظنوا أنهم استُعبِدوا في الماضي، وإلى العراق لأن السبي كان إلى بابل، للبحث عن آثار لليهود. وفي فلسطين، باءت كل البعثات منذ حرب 1967 بالفشل، وإلى اليوم وهم يبحثون في كل المناطق دون استثناء، وعلى كل المستويات تحت المسجد الأقصى، لكنهم لم يجدوا شيئاً. هم بدأوا الحفريات قبل استيفاء البحث في دلالات النصوص التي تذكر في سفر الملوك أن الملك سليمان عمل أربع سنوات في صنع الأساسات لقدس الأقداس والهيكل والقصر الملكي، فيما التلة التي بُني عليها المسجد الأقصى والتي يبحثون تحتها هي كتلة صخرية واحدة من الحجر الجيري الصلب، من نوعية الصخر الذي بُنيت منه أهرامات الجيزة، التي يزن أكبرها نحو ستة ملايين طن، فأرضية المسجد الأقصى لم تحتج إلى أساسات.

الدوائر الصهيونية اليوم تعلم ذلك، لكنها لا تستطيع أن تقول لشعبها: جئنا بكم إلى المكان الخطأ. فإن قالوا ذلك، سيرحل قسم من الإسرائيليين المتعصبين من فلسطين لأنهم جاءوا إليها على أنها أرض الميعاد. أما البعض الآخر ممن سيحكم العقل والمنطق، فسيقبل ما جاء به الإسلام على أن الكعبة الشريفة كانت قبلة ابراهيم وأن محمدًا كان نبيهم المسيح المنتظر.

 

 

10- كيف تقبلت الأوساط الدينية والثقافية طروحاتك الجريئة، وما هي رسالتك لمن يرفض قراءتها؟

 

جواب: كما ذكرنا سابقاً، بدأتُ البحث أولاً بالجغرافيا للتأكد من أن الأحداث لم تحصل في فلسطين، وعندما تيقنت من ذلك، أردت أن أتبين المواقع الحقيقية، فدرست عدة احتمالات حتى تأكد لي أنها كانت في منطقة مكة.  وفي عام 2016، أنشأت حساباً باسم "التوراة الحجازية" على تويتر، التي صار اسمها أكس، ويتابعني اليوم أكثر من 24,000 فرد من المهتمين بالموضوع من سائر الدول العربية، وخاصة من المملكة العربية السعودية. وفتحنا مساحات نقاش على تويتر كانت تمتد لبضع ساعات في كل مرة.  وهنا ألفِتُ النظر إلى أن السعودية شبه قارة بامتداداتها، فسكان تبوك في الشمال لا يعرفون الكثير عن طبيعة جازان في الجنوب، ومن هم في الطائف لا يعرفون كل أحياء الرياض، وسكان المنطقة الشرقية يجهلون تفاصيل القرى في منطقة المدينة المنورة والحجاز.

بعد كل هذه النقاشات، وتحديداً في عام 2020، وجدت أن الطرح أصبح أكثر تماسكاً، فقمت بجمع الأدلة في كتاب، وكان إصدار "التوراة الحجازية"، الذي بقي الكتاب الأكثر رواجًا على موقع نيل وفرات لمدة عامين، وطُبع منه ولله الحمد نحو 12,000 نسخة في ثلاث طبعات. وكنت قد عملت على تسجيل مساحات تويتر بالصوت؛ فنشرتها على قناة مستحدثة باسم "التوراة الحجازية" على يوتيوب.

وبناء على اقتراحات الكثيرين قمت بإصدار العمل بالإنكليزية؛ فكان كتاب (The Mecca Bible) ليصل إلى المهتمين وأهل الاختصاص في العالم. 

وفي كتابي الأخير "توراة مكة والنبي المنتظر" استنتجت أن النبي المنتظر في الكتب المقدسة اليهودية والمسيحية ومن يسمونه "المسيح المنتظر"، هو سيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم-، الذي تنطبق عليه كل المواصفات والتفاصيل الموجودة في كتبهم، وهي نفسها في السيرة النبوية العطرة. وفي هذا الكتاب راجعت شجرة النسب النبوي وصولًا إلى الجد العشرين وهو معد، الذي ذكر الطبري نقلًا عن أهل الأخبار العرب أن النبي أراميا، وهو من كبار أنبياء بني إسرائيل، اهتم به كثيرًا وأخرجه من دائرة الخطر أيام غزوة نبوخذ نصر للجزيرة، وكتب له نسبه واحتفظ به في درج عنده.

وبعد موت نبوخذ نصر عاد معد لمكة مع أنبياء بني إسرائيل للحج، فتزوج من معانة الجرهمية التي ولدت له نزار، ثم نعلم أن نزار وأولاده الأربعة صاروا عدنانيين، ولعل ذلك كان دخولًا لتأمين حماية العدنانيين، والدليل على ذلك اليوم هو تطابق جينات الأشراف القرشيين والعوائل الملكية في كل من الأردن والمغرب مع جينات عائلة الكهنة اللاويين كما أكدت ذلك شركة فاميلي تري في هيوستن. والأحماض النووية علم دقيق لا يحابي احدًا، والشركة هي الأولى في العالم على مستوى المصداقية في هذا العلم البالغ الحساسية.

يهود الجزيرة على أيام النبي محمد - صلى الله عليه وسلم- كانوا ينتظرون نبيًا منهم، ولعمري، لو توفرت لهم هذه المعلومات لكانوا دخلوا جميعًا في الدين الحنيف. النبي محمد عليه الصلاة والسلام كان يعلم ذلك، ولمح إلى ذلك عندما قال في حديث صحيح حسن: " خرجت من نكاح، ولم أخرج من سفاح. من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء". وهذا حديث صريح بأن وجوده كان عبر عقود زوجية، والقول إنه إسماعيلي ينافي هذا الحديث، لأن هاجر كانت أمَة مملوكة من سارة، والرق والتسري ليسا من عقود الزواج، وذلك في غياب اي نص شرعي يفيد بتحرر هاجر او حصول عقد نكاح شرعي لها.

خلاصة الأمر أن انتظار أهل الكتاب لمسيح قادم يغدو انتظاراً لا طائل منه.