أزمة الحجاب في مدارس أذربيجان: صراع العلمانية والهوية والحل في النموذج التركي
نبيل شحاده - تشهد جمهورية أذربيجان احتقاناً شعبياً وسياسياً متصاعداً على خلفية تقييد ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية الرسمية، في بلد يشكّل المسلمون نحو 96% من إجمالي سكانه البالغ عددهم قرابة أكثر من عشرة ملايين نسمة، بينما ينص دستوره على علمانية الدولة وفصل الدين عن التعليم العام.
وتعود الجذور المباشرة للأزمة الراهنة إلى 7 تموز/ يوليو 2026، حين أقر البرلمان قانوناً أدرج مبدأ "الوطنية والعلمانية" كشرط ملزم في قانون التعليم، ودخل حيز التنفيذ بتصديق الرئيس إلهام علييف في الثاني والعشرين من الشهر ذاته. وبناءً على ذلك، أصدر رئيس الوزراء علي أسدوف القرار رقم 309 في أيلول/ سبتمبر لتعديل لوائح الزي المدرسي الحكومي ومنع أي مكونات لباس تخل بوحدته أو تتعارض مع علمانية المؤسسة، قبل أن يُلحق في 6 تشرين الأول / أكتوبر بالقرار رقم 325 الذي وسّع نطاق القيود ليشمل ملابس المعلمات داخل الفصول.
ورغم خلو النصوص التشريعية من ذكر لفظ "الحجاب" صراحة، إلا أن التطبيق الإداري الصارم سرعان ما تحول إلى حظر فعلي؛ حيث أغلقت إدارات المدارس أبوابها أمام الطالبات المحجبات وخيّرتهن بين خلع غطاء الرأس أو الحرمان من الدراسة. ووثّقت المشاهد الميدانية في مدارس باكو ومدن أخرى خروج طالبات باكيات، ما أشعل إضرابات تضامنية نظّمها زملاؤهن في مواقع مثل المدرسة رقم 69 بالعاصمة.
ينبع إصرار الطالبات وذويهن من المكانة القطعية للحجاب في الشريعة الإسلامية؛ إذ ينعقد إجماع فقهاء الأمة ومذاهبها الفقهية الكبرى على أن الحجاب فريضة عينية لازمة على المرأة المسلمة البالغة، استناداً إلى نصوص القرآن الكريم الصريحة في سورتي النور والأحزاب؛ كقوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ﴾، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾، فضلاً عن السنّة النبوية وإجماع سلف الأمة وخلفها على امتداد التاريخ. وبذلك، لا يعد ارتداء الحجاب مجرد رمز سياسي مستحدث أو مظهر فولكلوري عابر، بل هو التزام تعبدي يرتبط بصميم الهوية الدينية للمرأة المسلمة وحريتها الوجدانية؛ الأمر الذي يجعل إجبار الفتيات على خلعه بمثابة إكراه على معصية دينية ومصادرة للحرية الشخصية.
وتضاعفت الحساسية الاجتماعية والأخلاقية للأزمة بعد شمول قرارات المنع لبنات شهداء الجيش الذين قضوا دفاعاً عن استقلال البلاد في معارك إقليم قره باغ؛ إذ تصدرت المنصات الرقمية مقاطع مؤثرة لبنات شهداء يتمسكن بحجابهن وصور آبائهن من أبطال التحرير، مؤكدات أن تضحيات ذويهن بأرواحهم كانت لصون كرامة الوطن وشعبه، وليست لفرض قيود على حريات أسرهم. وقد عبّرت عائلات المقاتلين عن صدمتها من إقصاء بنات الشهداء عن مقاعد الدراسة، واعتبرت ذلك شرخاً في الوفاء لرمزية التضحية الوطنية.
وأثارت القيود الجديدة المفروضة على ارتداء الحجاب في مدارس أذربيجان موجة انتقادات وإدانات واسعة من قيادات سياسية وإعلامية تركية بارزة، حيث شجب أوكتاي صرال، كبير مستشاري الرئيس التركي، ونواب من حزب العدالة والتنمية الحاكم منع الطالبات والمعلمات المحجبات من دخول المدارس، واصفين القرار بالتضييق على الحقوق الدينية والتعليمية. وفي خطوة لافتة، وجّه كمال كليتشدار أوغلو، رئيس حزب الشعب الجمهوري المعارض، نصيحة إلى باكو بالتراجع فوراً، معترفاً بالخطأ التاريخي لتركيا سابقاً ومؤكداً أن ضمان العلمانية لا يكون بقمع الحجاب لمنع انقسام المجتمع. وأدان رئيس حزب "الرفاه مجدداً" فاتح أربكان حظر الحجاب في المدارس، وانتقد معاناة عائلات شهداء قره باغ، مشيراً إلى أن حرمان بنات الشهداء من التعليم يشوه روح النصر الوطني.
هذه المواقف، تزامنت مع وقفات احتجاجية في إسطنبول أمام القنصلية الأذربيجانية، بينما سعى وزير الخارجية التركي هاكان فيدان لتهدئة التوتر الدبلوماسي مع باكو بتأكيده أن "الإخوة يجلسون ويتحدثون حول مقارباتهم المختلفة وفق ما تقتضيه الأخوة". في المقابل، أصدر حزب "أذربيجان الحديثة" الحاكم بياناً شديد النبرة يرفض ما عده تدخلاً خارجياً، ما أدخل العاصمتين في سجال دبلوماسي غير معتاد حول حدود علمانية الدولة.
وفي باكو، قابَلت الأجهزة التنفيذية هذا الحراك بمقاربة أمنية حازمة؛ حيث أعلنت وزارة الداخلية توقيف 37 شخصاً بتهم عرقلة المؤسسات العامة، وحُكم على عالم الدين أبجول سليمانوف بالحبس الإداري ثلاثين يوماً لدفاعه العلني عن حق الطالبات.
هذا الوضع يستوجب استعادة التجربة التركية التي يمكن أن تشكّل دلالة محورية في هذا السياق؛ فقد عاشت تركيا صراعاً داخلياً مريراً استمر عقوداً بعد انقلاب 1980، تخللته إجراءات عزل تعسفية لعشرات آلاف المحجّبات وما عُرف آنذاك بغرف الإقناع لإجبارهن على نزع الحجاب. غير أن المسار التركي أثبت بالممارسة أن القمع الإداري يغذي المظلومية ويفكك اللحمة الوطنية. ولم تستقر البلاد إلا حين تخلت الدولة عن منطق الإقصاء واعتمدت مساراً ديمقراطياً تصالحياً، بدأ برفع الحظر عن الجامعات عام 2010، وتوّج بإصدار حزمة الإصلاحات الديمقراطية لعام 2013 التي أتاحت للمرأة العمل والتعلم بحجابها في كافة المؤسسات العامة، وصولاً إلى إجماع وطني اعتبر حرية اللباس حقاً أصيلاً لا يتعارض مع حياد أجهزة الدولة.
يُظهر التحليل الموضوعي للوضع في أذربيجان أن جذور الأزمة تعود إلى استرجاع إرث العلمانية الشمولية السوفيتية الذي كان يقترن دائماً بهواجس سياسية مفرطة، وترى في التعبير الديني مدخلاً لاختراقات أمنية خارجية، فيما هو في الحقيقة هوية وطنية تتخطى كل هذه المخاوف بل وتحبطها. ومعالجة هذه المخاوف لا تكون بمصادرة الحق الدستوري في التعليم، المنصوص عليه في القوانين الوطنية، ولا بالاصطدام بالمواد 25 و35 و42 و48 من الدستور الأذربيجاني، التي تكفل المساواة وحق العمل والتعليم وحرية الدين والوجدان.
إن المخرج الرشيد لباكو يكمن في التحول من "العلمانية الصدامية" التي لا تنتج سوى الأزمات الداخلية، إلى نظام مدني شامل يحترم الخيارات الشخصية، وذلك بإجراء تعديل مرن على اللوائح يسمح باعتماد غطاء رأس موحد بلون وشكل يتناسقان مع الزي المدرسي الرسمي. إن تسوية كهذه كفيلة بإنهاء الاحتقان الشعبي، والانتهاء من توجه اقصائي خطير، ويعيد بنات الشهداء وسائر الطالبات إلى فصولهن بكرامة، كما يجنّب أذربيجان استنزافاً اجتماعياً وانقساماً بين فئات الشعب أثبتت تجارب دول الجوار أن كلفته الوطنية تفوق بكثير مكاسب التصلب والتشدد الإداري.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook