تحذيرات "إيكاو" تدق ناقوس الخطر فوق مطار رفيق الحريري في بيروت
نستراك - لم يعد خافياً أن الأزمات التي تعصف بالمؤسسات اللبنانية قد بلغت أحد أكثر المرافق حيوية وسيادة في البلاد، ألا وهو مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت. فالتقرير الأخير الصادر عن منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو)، الذي نقلت وكالة "رويترز" خطوطه العريضة، لم يقف عند حدود التوصيات التقنية المعتادة، بل رسم لوحة مقلقة لواقع تشغيلي وقانوني يهدد بعزل النافذة الجوية الوحيدة للبنان عن خارطة الملاحة العالمية، في وقت تزداد فيه حاجة البلاد إلى شريان اتصال موثوق بالعالم الخارجي.
يقوم نظام الطيران المدني العالمي على قواعد صارمة وضعتها اتفاقية شيكاغو في عام 1944 وملاحقها الإلزامية؛ وهي مقررات لا تحتمل الاجتهاد أو التساهل أو التسويف، كونها تتصل بسلامة أرواح البشر قبل أي اعتبار آخر. ومن هذا المنطلق، تشير نتائج تدقيق المنظمة الدولية إلى ثغرات خطيرة تضرب صلب منظومة الرقابة والتشغيل في المطار:
1- كشف التقرير عن انتهاء صلاحية شهادة الاعتماد المشروطة للمطار، ما وضعه تحت طائلة تحذير صريح بضرورة التصحيح الفوري لحفظ وضعه القانوني؛ ذلك أن تسيير رحلات في منشأة تفتقر إلى ترخيص سارٍ بموجب الملحق 14 للاتفاقية يُجرّد عملياتها من شرعيتها ومعاييرها المعترف بها دولياً.
2- أظهر التدقيق عدم وجود خطة طوارئ شاملة ومنسقة للتعامل مع الحوادث والكوارث الجوية، وهو ما يترك استجابة المطار لحالات الخطر خاضعة للارتجال والفوضى وغياب التنسيق بين الأجهزة الطبية والأمنية والميدانية.
3- إمكانات الإطفاء الحالية في المطار – حسب التقرير- تقف عند حدود التعامل مع الطائرات ذات الممر الواحد، عاجزةً عن مواكبة متطلبات الطائرات عريضة البدن ذات الممرين التي تُستخدم في الرحلات الطويلة، وهذا ما يشكّل مانعاً فنياً وقانونياً يلزم شركات الطيران الكبرى بإعادة النظر في استخدام المطار لطائراتها الكبيرة.
4- تعاني سلطة الطيران المدني في مطار رفيق الحريري الدولي من نقص حاد في المفتشين المؤهلين للإشراف على تراخيص مراقبة الحركة الجوية وتقييمها، الأمر الذي يضعف سلطة الدولة ورقابتها على برج المراقبة ويزيد من مخاطر إدارة المجال الجوي المزدحم.
5- يفترض الملحق 13 فصلاً هيكلياً تاماً بين الجهة المنظمة للملاحة والجهة المسؤولة عن التحقيق في الحوادث والوقائع الجوية؛ غير أن غياب هيئة تحقيق مكتملة التأسيس والصلاحيات في لبنان يحرم القطاع من آلية شفافة ونزيهة لاستخلاص الدروس وأنشطة الوقاية، ويفتح الباب أمام تضارب المصالح عند أي مساءلة.
إذن، تتجاوز خطورة هذه التقييمات البعد النظري لترتد مباشرة على واقع حركة الطيران وسمعة المطار الدولية. فقانونياً، يضع تشغيل مرفق جوي بهذه الثغرات الدولة اللبنانية وسلطات المطار تحت طائلة المسؤولية بسبب التقصير المباشر في حال وقوع أي حادث، مع إسقاط أي عذر ودفع بالقوة القاهرة.
كما يحمل هذا الواقع تداعيات تأمينية بالغة التعقيد؛ إذ تلجأ كبريات شركات التأمين وإعادة التأمين الدولية، استناداً إلى تقارير تقييم المخاطر، إلى فرض علاوات تأمين باهظة على الرحلات المتجهة إلى بيروت، أو إدراج بنود استثنائية تقلص التغطية، ما يرفع الكلفة التشغيلية على شركات الخطوط الجوية إلى مستويات عالية وباهظة.
وتتيح هذه النتائج لوكالات السلامة الكبرى، وفي مقدمتها وكالة سلامة الطيران التابعة للاتحاد الأوروبي (EASA) وإدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA)، أساساً لاتخاذ تدابير حمائية، قد تبدأ بفرض قيود تشغيلية مشددة، ولا تنتهي باحتمال إدراج المطار أو الناقلات المشغلة منه ضمن القوائم التي تواجه قيود الهبوط؛ وهو سيناريو يبدد أي أمل قريب في فتح خطوط مباشرة نحو وجهات حيوية مثل الولايات المتحدة، أو استعادة كبرى الشركات العالمية لرحلاتها المنتظمة إلى بيروت.
إن استمرار التعاطي مع ملف مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت عبر الحلول السريعة والترقيعية، وأية مساومات على بنود الاتفاقيات العالمية وإجراءات السلامة ستهدد بتحويل هذه الثغرات الفنية إلى أزمة سيادية واقتصادية خانقة للبنان الذي يُعاني من عشرات الأزمات المزمنة والمتواصلة منذ عقود.
إن استعادة شهادة الاعتماد الدولية، وتحديث منظومة الإطفاء، ودعم برج المراقبة بكوادر رقابية معتمدة، وتشكيل هيئة تحقيق مستقلة، ليست مجرد بنود تقنية على جدول أعمال عادي، بل هي مقتضيات أمن قومي واقتصادي؛ والتهاون في استدراكها اليوم يعني المقامرة بآخر منافذ لبنان الحيوية نحو العالم.
إن معالجة ملف الثغرات في مطار رفيق الحريري الدولي في بيروت تقتضي النظر إليه بوصفه قضية سلامة جوية وادارة قانونية ومسؤولية وطنية، وهذا ما يطرح مجدداً السؤال عن قدرة الدولة اللبنانية على ضمان سلامة التشغيل، والاستجابة للطوارئ، ومراقبة الكفاءات، والتحقيق المستقل في الحوادث، وما قد يترتب على استمرار هذه الثغرات من أضرار تشغيلية واقتصادية وسمعة دولية للمطار.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook