الهوية اللبنانية المصطنعة: حين يُراد اختراع "نحن" وفرضها على الجميع
فاروق عيتاني - أنا أفهم الهوية بوصفها طبقات متراكمة من الانتماء، لا أصلا واحدا يختزل فيه الإنسان، ولا رواية تاريخية واحدة يطلب من الجميع التسليم بها. في كل طبقة من هذه الطبقات تتكوّن "نحن" تستدعي نفسها حين تشعر بأن ما يجمع أفرادها أو يحمي مصالحها ووجودها يتعرض للمس. وقد تتداخل طبقات هذه الـ"نحن" أو تتقدم إحداها على غيرها، بحسب الظرف والتجربة.
من هنا أعترض على دعاة الفينيقية والسريانية وما شابه ذلك حين يتجاوزون البحث في تاريخ هذه الحضارات ولغاتها وآثارها، إلى اتخاذها أساسا حصريا لتعريف الهوية اللبنانية. فالفينيقية ليست جزء حصريا من تاريخ الأرض المسماة اليوم بالجمهورية اللبنانية بل هي مجرد اسم ورسوم بالية لخلق تواجدوا من قبل طوفان يعرب وإسلامها.
لذلك فتسرّع البعض إلى اختراع هذا الأصل لأنفسهم لا يسمح لأصحابها بحق احتكار الحاضر السياسي، ولا يجيز لهم مطالبة اللبنانيين بالانتساب إلى "نحناهم" المتخيلة المنقطعة المعدومة التي يصيغونها على قياس هلوساتهم وأوهامهم المنتقاة التي يتكيفون معها.
اذن، المشكلة تبدأ حين يراد سحب الهوية اللبنانية من مفهومها الدستوري والسياسي القائم، وإلحاقها بهوية أخرى مفترضة، ثم فرض هذه الهوية على مجتمع متعدد الانتماءات والتجارب. عندها لا نكون أمام اكتشاف هوية كامنة تنتظر من يكشفها، بل أمام اشكالية محاولة إيجاد "نحن" من عدم، ثم مطالبة الجميع بأن يجدوا أنفسهم فيها.
إن الكيان السياسي اللبناني، بصيغته التي نشأت قبل قرن وعقد، حقيقة تاريخية وسياسية قائمة، مهما اختلفنا في تقويم ظروف نشأته أو في شرعية المشروع الذي أفضى إليها. لكن قيام كيان سياسي لا يجعل هويته أبدية، كما أن استدعاء ماضٍ فينيقي أو سرياني لا يضمن له البقاء. فالكيانات السياسية تعيش أولاً بقدرتها على إنتاج أسباب العيش المشترك لنفسها وبموافقة المحيطين بها، لا بإثبات نسب تاريخي مزعوم بعيد.
وأنا، البيروتي الذي أرى في "بيروتيّتي" امتداداً عائليا واجتماعياً وثقافياً أعمق من حدود الكيان اللبناني، بل وقبله وستبقى بعده، لا أتعامل مع لبنان بوصفه قدرا سرمديا. بل أرى أن الصيغة السياسية التي نعرفها اليوم قد لا تعيش أكثر من بضعة عقود أخرى، لعجزها الطبيعي عن البقاء ولمخالفتها القانون الطبيعي في نشوء الكيانات السياسية وزوالها. وإذا أصرّ بعضهم على فرض هوية متخيلة على اللبنانيين بدل الاعتراف بتعدد طبقات هويات انتمائهم، فهذا يعني وجود مشروع لن ينتهي الا بتهجير جماعي لمعظم أصحاب هذا الاختراع.
إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه مشروع سياسي هو أن يحوّل اختلاف المواطنين إلى خلاف على أصل وجودهم، وأن يجعل الانتماء امتحاناً في الأصالة. فحين يطلب من اللبناني أن يتخلى عن تعدد انتماءاته ليصبح جزءا من "نحن" منحوتة مصطنعة، تتحول محاولة تثبيت الهوية إلى عامل يسارع بشطب كل الكيان الذي يراد تثبيته.
الهوية التي تجمع الناس ليست هوية واحدة، بل هي طبقة من هويات متعددة تنشأ من تاريخ حياة ومصالح مشتركة. أما الهوية التي تُفرض عليهم فقد تصبح أحد الأسباب التي تدفعهم إلى البحث عن إطار سياسي آخر، وغالباً ما تنتهي بترحيل "ترانسفير" جماعي لمحاولة فرضها خصوصا اذا كانوا هم أقلية في الإقليم.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook