الدكتور دريد بشرّاوي يطرح كيف عطّلت المنظومة الحاكمة الدستور وضربت الشراكة الوطنية؟
أجرى اللقاء: نبيل شحاده
يعيش لبنان مخاضاً عسيراً يكشف يوماً بعد يوم عجز منظومته السياسية عن إنتاج حلول حقيقية من داخل الأطر الدستورية، لا سيما في ظل ثقافة المحاصصة وتعطيل المؤسسات. وفي هذا الجزء، يغوص المفكر والباحث القانوني الدكتور دريد بشراوي في جوهر الأزمة اللبنانية، مؤكداً أن المشكلة لا تكمن في النصوص بحد ذاتها، بل في الممارسة السياسية التي طوعت الدستور لخدمة موازين القوى والتسويات الضيقة. كما يقف ملياً عند الشلل الذي يضرب السلطة القضائية ومخاطر قوانين العفو التي تكرس ثقافة الإفلات من العقاب، لينتقل بعدها إلى مفصل السيادة الأساسي، مناقشاً خطورة ازدواجية السلطة ووجود سلاح خارج إطار الشرعية، وكيف أدى هذا التكامل غير المشروع بين الطبقة السياسية والميليشيات إلى تقويض هيبة الدولة ومصادرة قرار الحرب والسلم.
السؤال الأول: - تنطلقون دائماً في مقارباتكم من خلفية قانونية ودستورية صارمة. كيف تقرؤون عجز المنظومة السياسية الحالية في لبنان عن إنتاج حلول دستورية للأزمات المتلاحقة، وهل ترون أن المشكلة تكمن في النصوص نفسها أم في الممارسة السياسية وتعطيل المؤسسات؟
الجواب: برأيي، لا تكمن المشكلة الأساسية في لبنان في النصوص الدستورية بقدر ما تكمن في الممارسة السياسية وفي طريقة تعامل المنظومة الحاكمة مع هذه النصوص. فمن الصعب أن ننتظر حلولًا دستورية حقيقية من منظومة سياسية قامت ممارستها، على مدى عقود، على المحاصصة السياسية والطائفية، والزبائنية، وتقاسم مواقع الدولة ومؤسساتها، وتعيين الأعوان والمستشارين والمقربين، بدل تكريس منطق الدولة والمؤسسات والكفاءة والمساءلة والمساواة.
ومن الصعب أيضًا أن تنتج هذه المنظومة حلولًا دستورية وهي متهمة، في جانب من مكوناتها، بالفساد والمحاصصة، وبالخضوع لسلاح ميليشياوي ولموازين قوى تتجاوز المؤسسات الدستورية، في وقت يفترض فيه أن تكون الدولة ومؤسساتها صاحبة القرار في المسائل السيادية، وفي مقدمها قرار الحرب والسلم.
فالمشكلة، في جوهرها، ليست في غياب النص الدستوري، وإنما في مخالفته أو تعطيله أو تطويعه تبعًا لمصالح القوى السياسية. والدستور لا يمكن أن يؤدي وظيفته إذا تحول من قاعدة ملزمة للحكم إلى نص يُستدعى عند الحاجة ويُتجاوز عندما يشكل قيدًا على السلطة.
والأمثلة على ذلك كثيرة، وفي مقدمها الإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها وتعاونها وبمبدأ تداول السلطة وتبدّلها وفقاً للإرادة الشعبية، وتعطيل المؤسسات والاستحقاقات الدستورية أو إخضاعها للتسويات السياسية. فالدستور لا ينظم فقط توزيع الصلاحيات بين المؤسسات، بل يهدف أيضًا إلى منع استئثار سلطة بصلاحيات سلطة أخرى، وضمان انتظام عمل المؤسسات ضمن الحدود التي رسمها لها.
ويشكل تمديد ولاية مجلس النواب لمدة سنتين مثالًا بالغ الدلالة. فالمادة 42 من الدستور تنص على إجراء الانتخابات العامة لتجديد هيئة المجلس خلال الستين يومًا السابقة لانتهاء مدة النيابة. وبالتالي، فإن الأصل الدستوري هو دورية الانتخابات وعودة السلطة التشريعية إلى الشعب، باعتباره مصدر الشرعية، لتجديد التمثيل النيابي.
صحيح أن ظروفًا استثنائية وقاهرة قد تفرض تعذر إجراء الانتخابات في موعدها، ولكن الاستثناء، بطبيعته، يجب أن يبقى محصورًا بالقدر الذي تفرضه الضرورة. ومن هنا يبرز السؤال الدستوري الأساسي: هل كان الظرف الاستثنائي يبرر تمديد ولاية المجلس سنتين كاملتين، أم كان بالإمكان اعتماد تمديد محدود بالمدة الضرورية التي يفرضها استمرار المانع، ثم إجراء الانتخابات فور زواله؟
برأيي، كان يمكن، عند وجود مانع قاهر حقيقي، اعتماد أقصر مدة ممكنة بدل تمديد الولاية سنتين دفعة واحدة. فالخطر الدستوري لا يكمن فقط في تأجيل الانتخابات، بل في أن تمنح سلطة منتخبة نفسها مدة إضافية طويلة قبل العودة إلى الشعب، مصدر شرعيتها.
ولا تقتصر آثار التمديد على مجلس النواب وحده. فالمادة 69 من الدستور تنص صراحة على أن الحكومة تعتبر مستقيلة «عند بدء ولاية مجلس النواب». وفي المسار الدستوري الطبيعي، كان يفترض إجراء الانتخابات، ثم بدء ولاية مجلس نيابي جديد، وعندها تعتبر الحكومة القائمة مستقيلة حكمًا ويُعاد إطلاق المسار الدستوري لتكليف رئيس للحكومة وتأليف حكومة جديدة ونيلها ثقة المجلس.
أما تمديد ولاية المجلس القائم، فقد حال دون بدء ولاية مجلس جديد، وبالتالي حال أيضًا دون تحقق الحالة الدستورية التي يرتب عليها الدستور اعتبار الحكومة مستقيلة. ومن هنا فإن آثار التمديد لا تقف عند حدود السلطة التشريعية، بل تمتد إلى انتظام دورة السلطة التنفيذية أيضًا، لأن تعطيل التجديد النيابي يؤدي عمليًا إلى تعطيل إحدى الآليات الدستورية التي ربط بها الدستور إعادة تكوين السلطة التنفيذية.
ولهذا فإنني أميز بين الشرعية الشكلية واستمرار المؤسسات بحكم الأمر القانوني القائم، وبين الشرعية الدستورية بمعناها الأعمق المرتبط بدورية الاحتكام إلى الإرادة الشعبية وانتظام عمل المؤسسات. فالتمديد قد يُبقي المؤسسة قائمة قانونًا، لكنه لا يلغي السؤال الجوهري حول مدى انسجام هذا الاستمرار مع المبادئ الدستورية التي تجعل الشعب مصدر السلطات وتفترض تجديد التمثيل السياسي بصورة دورية.
من هنا، لا أعتقد أن أزمة لبنان هي، في الأساس، أزمة دستور يحتاج في كل مرة إلى التعديل. قد تكون هناك نصوص تحتاج إلى تعديل او حتى إلى إلغاء أو تطوير أو توضيح، ولكن المشكلة الأعمق تبقى في الثقافة السياسية وفي الممارسة وفي الصيغة نفسها التي تخطاها الزمن: ماذا ينفع تعديل الدستور إذا كانت القوى السياسية نفسها قادرة على تعطيل النص الجديد كما عطلت النص القائم؟ وماذا ينفع وضع قواعد دستورية إضافية إذا لم تكن هناك إرادة سياسية لاحترام القواعد الموجودة أصلًا؟
لذلك، قبل أن نسأل إن كان لبنان يحتاج إلى دستور جديد، علينا أن نسأل: هل طُبّق الدستور الحالي فعلًا؟ هل احترمت المهل والاستحقاقات الدستورية؟ هل احترم مبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها؟ وهل بقيت المؤسسات خاضعة للدستور، أم أصبح الدستور في أحيان كثيرة خاضعًا لموازين القوى والتسويات السياسية؟
العلة، في تقديري، ليست أولًا في النصوص، بل في الممارسة المخالفة للنص وفي تعطيل المؤسسات والآليات الدستورية. فالدولة الدستورية لا تقوم بمجرد وجود دستور مكتوب، وإنما عندما تصبح أحكام الدستور ملزمة للحاكم قبل المحكوم، وعندما لا تستطيع أي سلطة أن تمدد لنفسها أو تعطل استحقاقًا أو تتجاوز حدود صلاحياتها إلا ضمن أضيق الحدود التي تفرضها الضرورة الدستورية.
ولهذا فإن الأزمة اللبنانية هي، قبل أن تكون أزمة نصوص، أزمة احترام للدستور وأزمة انتظام في عمل المؤسسات وأزمة في مفهوم ممارسة السلطة نفسها. فالدستور، مهما كان محكمًا، لا يستطيع وحده حماية الدولة إذا كانت القوى المكلفة بتطبيقه تتعامل معه بوصفه أداة في الصراع السياسي بدل أن تتعامل معه باعتباره القاعدة العليا التي يخضع لها الجميع.
من الصعب أن تنتج المنظومة الحالية حلولًا دستورية وهي متهمة، في جانب من مكوناتها، بالفساد والمحاصصة، وبالخضوع لسلاح ميليشياوي.
السؤال الثاني: في ظل الشلل المستمر الذي يضرب السلطة القضائية، وخصوصاً في ملفات كبرى كتفجير مرفأ بيروت، كيف تقيمون محاولات طمس العدالة عبر قوانين العفو أو التهرب من المثول أمام القضاء؟ وإلى أي مدى أسهم تكريس ثقافة الإفلات من العقاب في إضعاف هيبة الدولة؟
الجواب: لا يمكن النظر إلى قانون العفو العام الصادر في 12 آب 2026 بوصفه مجرد تدبير إنساني لمعالجة اكتظاظ السجون وطول التوقيف الاحتياطي. فالعفو إجراء استثنائي يجب أن يرتبط بمرحلة محددة ومصلحة عامة واضحة، لا أن يتحول إلى وسيلة دورية لمحو الجرائم كلما عجزت الدولة عن إصلاح قضائها وسجونها.
تبدأ خطورة القانون من شموليته؛ فهو يمتد إلى الجرائم المرتكبة قبل الأول من آذار 2026 من دون تحديد بداية زمنية، ويشمل الفاعل والشريك والمتدخل والمحرّض والمخبّئ، ويسقط الملاحقات والأحكام والعقوبات والتدابير الاحترازية. وبذلك لا يقتصر على حالات إنسانية محددة، بل يكاد يمنح صك إعفاء جماعي لطيف واسع من مرتكبي الجرائم، من دون رابط ضروري بين أفعالهم وظرف استثنائي يبرر العفو.
ولا يبدد هذه الخطورة استثناء بعض الجرائم الجسيمة، إذ يعود القانون نفسه إلى تخفيض عقوباتها بصورة عامة: يستبدل الإعدام بعقوبة محددة المدة، والمؤبد بسبع عشرة سنة سجنية، ويخفض سائر العقوبات بمقدار الثلث. وهكذا تُستثنى جرائم كالقتل والإرهاب والاتجار الخطير بالمخدرات من العفو الكامل، ثم يستفيد مرتكبوها من تخفيض جوهري قد يشكل عملياً عفواً غير مباشر عن جزء كبير من العقوبة. كما أن تطبيق تخفيض موحد على جرائم متفاوتة الخطورة يهدر مبدأ التناسب بين الجريمة والعقوبة.
وفي ظل الشلل القضائي المستمر، لا يقتصر أثر القانون على العقوبات، بل يضرب سلطة القضاء ويقوّض دوره في التحقيق والمحاكمة وتحديد المسؤوليات، ولا سيما في القضايا الكبرى التي لا تزال عالقة ولم تُكشف حقيقتها، وفي مقدمتها جريمة تفجير مرفأ بيروت. وبحسب نطاق تطبيق القانون وتفسير أحكامه، قد يفتح الباب أمام الإفلات من العقوبة، وربما من المثول الفعلي أمام القضاء، فيما يفترض أن تكون الأولوية لاستكمال التحقيق وكشف المسؤولين ومحاسبتهم. فالتدخل التشريعي الجماعي في مصير العقوبات، قبل صدور الأحكام وكشف الحقيقة، يكرّس ثقافة الإفلات من العقاب، ويضعف هيبة الدولة، ويوحي بتخليها عن واجبها في إرساء العدالة.
أما الضحايا، فلا يجوز اختزال حقوقهم بالتعويض أو تحميلهم عبء اللجوء إلى مسارات قضائية جديدة. فلهم حق في الحقيقة والمحاسبة والإنصاف، والعفو الذي يسبق الحقيقة يضرب العدالة في صميمها.
صحيح أن التوقيفات الطويلة وبطء المحاكمات أنتجا إجحافاً حقيقياً، لكن العلاج ليس بظلم جديد، بل بإصلاح القضاء وضمان استقلاله، وتسريع المحاكمات، وضبط التوقيف الاحتياطي، وإصلاح السجون، وإطلاق سراح من تجاوز توقيفهم الحدود القانونية مع استمرار محاكمتهم.
الدولة العادلة لا تدين بريئاً ولا تترك متهماً سنوات بلا محاكمة، لكنها أيضاً لا تمحو الجرائم ولا تخفض العقوبات جماعياً. فالمصالحة الحقيقية تأتي بعد الحقيقة والعدالة، لا على حسابهما.
الدولة العادلة لا تدين بريئاً ولا تترك متهماً سنوات بلا محاكمة، لكنها أيضاً لا تمحو الجرائم ولا تخفض العقوبات جماعياً.
السؤال الثالث: تتناولون في كتاباتكم مسألة السيادة بمنظور نقدي شامل. كيف تنظرون إلى واقع القرار اللبناني اليوم في ظل ازدواجية السلطة ووجود "سلاح حزب الله" خارج إطار مؤسسات الدولة الشرعية؟ وكيف ترون السبيل القانوني والسياسي لاستعادة الدولة لهيبتها وقرارها الحر في الحرب والسلم؟
الجواب: السيادة ليست مسألة ثانوية أو شعارًا سياسيًا، بل هي الشرط الجوهري لقيام الدولة ولإمكان وصف أي كيان سياسي بأنه دولة فعلًا. فلا وجود لدولة بالمعنى الحقيقي إذا عجزت عن بسط سلطتها على كامل أراضيها، وعن احتكار القوة المسلحة، وتطبيق القانون، وصون العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع مواطنيها.
ومن هذا المنطلق، لا يمكن الحديث عن دولة سيدة في ظل وجود ميليشيا مسلحة تنازعها سلطتها، وتهيمن على قرار الحرب والسلم، وتؤثر في مؤسساتها العسكرية والأمنية والإدارية. فقرار الحرب والسلم، كما إدارة العلاقات الخارجية والدفاع عن الحدود، يجب أن يكون حصرًا بيد المؤسسات الدستورية الشرعية، لا بيد تنظيم مسلح يرتبط بمشروع إقليمي ويتلقى سلاحه ودعمه من دولة أجنبية.
المنظومة الحاكمة اليوم لا تبدو عاجزة فحسب عن استعادة سيادة الدولة وهيبتها، بل إن الأخطر هو تواطؤ جزء منها مع سلاح حزب الله ودخوله في شراكة سلطوية معه. فهذه المنظومة تستفيد من حماية السلاح، فيما تستفيد الميليشيا من الغطاء السياسي والمؤسساتي الذي توفره لها المنظومة. وهكذا نشأ، على امتداد أكثر من عشرين عامًا، نظام تتكامل فيه المنظومة السياسية مع السلطة العسكرية والأمنية للميليشيا، ويحمي كل منهما الآخر كوجهين لعملة واحدة.
لذلك، لا يكفي تبديل بعض الوجوه أو إجراء إصلاحات شكلية. المطلوب تغيير جذري للطبقة السياسية، والإتيان بقيادة وطنية جديدة وشابة، متحررة من الإقطاع السياسي والتبعية الطائفية والمذهبية ومنطق المحاصصة. كما يجب وضع صيغة دستورية جديدة تقوم على المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات، وتحفظ لكل مكوّن حقوقه الأساسية واستقلاليته الإدارية والاجتماعية والتربوية والدينية والعقائدية، مع الإبقاء على روابط التعاون السلمي والتكامل بين مختلف المكوّنات ضمن نظام فيدرالي حقيقي.
وينبغي أن يسبق قيام هذا النظام تشكيل هيئة تأسيسية تتولى إعداد الصيغة الدستورية الجديدة، وتطلب حماية دولية مؤقتة تتيح الانتقال السلمي، وتضمن نزع سلاح جميع الميليشيات بالتعاون مع الجيش اللبناني، تطبيقًا لقرار مجلس الأمن رقم 1559 وسائر الالتزامات الدولية ذات الصلة. فلا يمكن إجراء حوار وطني حر، أو بناء عقد اجتماعي متوازن، في ظل اختلال فادح في موازين القوة ووجود سلاح يفرض إرادته السياسية على الآخرين.
أما إذا تعذر تطبيق هذا الحل، واستمر فريق مسلح في إخضاع سائر اللبنانيين بقوة سلاح إيراني، وتعذر قيام دولة واحدة تحتكر القوة وتساوي بين مواطنيها، فلا يجوز استبعاد البحث في صيغ دستورية وسياسية أخرى، قد تصل إلى خيارات انفصالية. فالتعايش لا يعني خضوع فريق لفريق، والوحدة لا تُفرض بقوة السلاح.
استعادة الدولة تبدأ من قاعدة لا تحتمل المساومة: لا سلاح خارج الجيش الوطني، ولا قرار حرب وسلم خارج المؤسسات الدستورية، ولا شراكة مشروعة بين الدولة والميليشيا. ومن دون ذلك، يبقى لبنان ساحة نفوذ لا دولة سيدة حرة.
المنظومة الحاكمة عاجزة عن استعادة سيادة الدولة وهيبتها، وجزء منها يتواطأ مع سلاح حزب الله
السؤال الرابع: مع تجاوز التطورات الميدانية الأخيرة لإطار القرار 1701 نحو ترتيبات وضغوط دولية جديدة، كيف تقرؤون مصير سلاح حزب الله في معادلة "اليوم التالي"؟ وهل نحن أمام فرصة حقيقية لاستعادة الدولة لاحتكار السلاح والقرار، أم أننا يتوجب علينا التعايش مع واقع ازدواجية السيادة؟
الجواب: لم تعد المسألة محصورة في تنفيذ القرار 1701 ضمن منطقة جنوب الليطاني، لأن جوهر القضية أصبح متعلقًا باستعادة الدولة سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية واحتكارها السلاح وقرار الحرب والسلم.
فالقرار 1701 لم يُطبّق فعليًا حتى اليوم. وقد ادعت الدولة أنها أخلت جنوب الليطاني من السلاح غير الشرعي، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة، بما فيها سقوط تلة علي الطاهر وتقدم القوات الإسرائيلية، كشفت استمرار الوجود العسكري لحزب الله في تلك المنطقة، وأظهرت مجددًا عجز الدولة عن فرض سلطتها فيها. وهذه ليست المرة الأولى التي يُنقض فيها القرار؛ فالجيش اللبناني انتشر جنوب الليطاني عام 2006، لكن الحزب عاد لاحقًا إلى فرض نفوذه العسكري، فيما بقي وجود الجيش وفاعليته محدودين.
كذلك، لا يجوز اختزال القرار 1701 بالمنطقة الواقعة جنوب الليطاني. صحيح أنه ينص على إقامة منطقة خالية من السلاح غير الشرعي بين الخط الأزرق ونهر الليطاني، لكنه يؤكد أيضًا، بالاستناد إلى القرارين 1559 و1680 واتفاق الطائف، بسط سلطة الدولة وحصرية السلاح على كامل الأراضي اللبنانية، وضبط الحدود ومنع إدخال الأسلحة من دون موافقة الحكومة. ولذلك فإن موجبات حصر القوة بيد الدولة تشمل شمال الليطاني أيضًا، بل لبنان كله.
المشكلة أن حزب الله ليس تنظيمًا محصورًا في الجنوب، بل ميليشيا تنتشر أسلحتها وصواريخها وبناها العسكرية على امتداد الوطن. لذلك لا يمكن القبول بالتعايش مع ازدواجية السيادة باعتبارها أمرًا واقعًا دائمًا. الحل يبدأ بتسليم السلاح كاملًا إلى الدولة. غير أن الحزب يعلن يوميًا رفضه ذلك، ما يجعل خيار التسليم الطوعي شبه مستحيل.
وعندئذ تصبح الدولة مطالبة بتحمل مسؤوليتها، ويصبح على المجتمع الدولي دعم الجيش سياسيًا وعسكريًا ولوجستيًا لتنفيذ القرارات الدولية. وإذا بقي الجيش عاجزًا عن أداء المهمة، أو مقيدًا باعتبارات سياسية وطائفية، فعلى مجلس الأمن تطوير الإطار القائم بقرار صريح تحت الفصل السابع، يستند إلى غايات القرارين 1559 و1701، ويضع آلية تنفيذية لنزع سلاح جميع الميليشيات ومساعدة الجيش على بسط سلطته. فالقرار 1559 يكرس هدف نزع السلاح، لكنه لا يتضمن بذاته تفويضًا تلقائيًا باستخدام القوة؛ لذلك يتطلب هذا المسار قرارًا دوليًا تنفيذيًا جديدًا.
أما طرح دمج حزب الله في الجيش فهو وصفة لكارثة وطنية؛ لأنه لا ينزع سلاح الميليشيا بل يشرعنه، وينقل بنيتها وولاءها العقائدي لولاية الفقيه إلى داخل المؤسسة العسكرية. وبدل أن تستعيد الدولة قرارها، تصبح الميليشيا ممسكة بالجيش نفسه، ويتحول لبنان من دولة ديمقراطية برلمانية إلى مقاطعة خاضعة للنفوذ الإيراني.
«اليوم التالي» لا يحتمل حلولًا رمادية: إما دولة واحدة وجيش واحد وسلاح واحد، وإما استمرار انهيار السيادة والدولة.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook