الدكتور محمد مصطفى منصور: وقائع التوراة حصلت في مكة وتهامة والحجاز
أجرى اللقاء: نبيل شحاده
أسفرت رحلة البحث الطويلة للدكتور محمد مصطفى منصور عن تفكيك ألغاز جغرافية التوراة التقليدية، عبر دراسة مقارنة لتاريخ سوريا الكبرى، وفلسطين، والعراق، وشبه الجزيرة العربية، وبلاد النيل وشرق إفريقيا. وواجه خلالها عشرات المعضلات التي عجزت الجغرافيا التقليدية عن تفسيرها، وسقطت تباعاً فرضيات توطين الأحداث في عسير أو اليمن، مما دفعه نحو الغوص في دراسة النصوص العبرية بلغتها الأصلية.
مكّن هذا الجهد الاستثنائي، المستند إلى تجاوز قراءات علماء المأثور المنقوصة في القرون الوسطى ، وفق منهجية ثلاثية الأسطر وقراءة خط الجزم الآرامي بكامل حروف العربية ال 28، من ان يتكشف أن مسرح الأحداث الحقيقي يتربع في جغرافية مكة المكرمة وتهامة والحجاز، في مساحة جغرافية تفوق مساحة فلسطين التاريخية عدة مرات.
2- عندما نقلت أحداث التوراة بالكامل من فلسطين إلى جغرافية مكة وتهامة، ما هو الدليل الأبرز الذي جعل سهول وجبال جبال تهامة والحجاز تنطق بهذه القصص؟
جواب: درست تاريخ وجغرافية المنطقة لأكثر من عشر سنوات، بما فيها تاريخ سوريا الكبرى، وفلسطين، والعراق، وشبه الجزيرة العربية، وبلاد النيل الأعلى والأسفل، وشرق إفريقيا. ودرست الترجمات الإنكليزية والعربية للتوراة، وتبين لي أنه- ولأسباب كثيرة- لا تتطابق إحداثيات القصص فيها مع جغرافية فلسطين، بل تنشأ عنها معضلات كثيرة.
في كتابي الأول «التوراة الحجازية»، الذي نُشِر في العام 2020، وضعت خمساً وعشرين معضلة لم تستطع الجغرافيا التقليدية الإجابة عنها، وهذه المعضلات معروفة جيداً عند علماء التوراة أنفسهم.
وفي العام 2026، نشرت كتاباً ثانياً بعنوان "توراة مكة والنبي المنتظر"، ارتفع معه العدد إلى ستين.
كل هذا أوصلني إلى قناعة بأن الحدث التوراتي لم يكن في فلسطين، ولا بد من البحث في أمكنة أخرى لمطابقتها. الدكتور كمال الصليبي قال إن الجغرافيا البديلة هي عسير في الجنوب الغربي من المملكة العربية السعودية، بينما أنا، وكما درستها وتعمقت في تفاصيلها، تبيّن معي أن جغرافية عسير أيضاً لا يمكن أن تكون مسرحًا لأحداث التوراة.
آخرون، مثل فاضل الربيعي في العراق، وفرج الله صالح ديب من لبنان، قالوا بأن اليمن هو البلد البديل. قمت بزيارة اليمن في 1986، وتنقلت بين تعز، والمخا الواقعة على البحر الأحمر، إلى حيس وزبيد وبيت الفقيه من تهامة حتى الحُدَيْدَة، ثم رجعت إلى النجد اليمني عند مأرب، والمناطق في صنعاء وشمالها حتى كوكبان. ودرست جيداً الجغرافيا اليمنية التي بحثت في تفاصيلها وشؤونها حوالي ثماني سنوات، وأصبح لدي أرفف مليئة بالكتب عن اليمن، معتقداً في البداية أنه حقًا البلد البديل، لكنني وصلت في النهاية إلى طريق مسدود.
وظننت من ثمَّ أن ترجمات التوراة هي سبب المشكلة، فقررت دراسة النصوص باللغة العبرية الأصلية، وهو ما اعتبرته فرض كفاية، كونه لم يقم أحد بذلك من علماء العرب والمسلمين منذ 1400 سنة. كل المؤرخين العرب القدماء والمُحْدثين نقلوا عن الترجمات وليس عن الأصل. والمؤرخون المسلمون الأوائل اخذوا عما يسمى بالإسرائيليات ثم اشتكوا منها، ولم يكلف أحد منهم نفسه أن يقرأ قصص الأنبياء بلغتها الأصلية كما وردت في النصوص، لتمييزها عن روايات التلمود والإشاعات والأساطير.
تعلّمت اللغة العبرية، لغة التوراة، وتعمقت فيها، ومع مرور الوقت تبين لي أنها عربية قديمة، وأن "شفة كنعان" ، كما وردت في العهد القديم، ما هي إلا لهجة قبيلة كنانة، حيث لم توجد لغة عربية نمطية فصحى في ذلك الوقت، كما دوّنه المستشرق حاييم رابين قبل قرن من الزمان في كتابه عن لهجات غرب جزيرة العرب.
وقمت بالاستفادة من تجربة العالم الفرنسي جان فرانسوا شمبوليون مع حجر رشيد، فوضعت النص العبري في السطر الأول، والمعاني في السطر الثالث، ووضعت في السطر الثاني قراءتي؛ مما تبين معه أنه لغة عربية قديمة. والمشكلة مع اللغة العبرية قديمًا أن أهل النصوص جهلوا طريقة قراءتها لمدة ألف عام؛ فمن السبي البابلي حتى الهجرة إلى فلسطين لم يتكلموا العبرية، وكانت دراستهم كلها باللغة الآرامية التي كانت سائدة في العراق وكل سوريا عبر التاريخ. وهم تعرضوا للاضطهاد في العصر السلوقي، وعندما قُتِل علماؤهم وأحرقت كتبهم. ثم أعادوا كتابة التوراة باللغة الآرامية نقلاً عن الترجمة السبعينية اليونانية التي كانت قد تمت في الإسكندرية في العام 282 قبل الميلاد.
علماء "الماسورة"، أو على الأصح "النسخ المأثورة"، عملوا نحو ثمانية قرون، من القرن الرابع بعد الميلاد حتى القرن الثاني عشر، لإعادة إحياء النصوص التي كانت بين أيديهم. وكانوا يظنون أنها لغة كنعانية فلسطينية مندثرة، بينما في الحقيقة هي كانت لغة كنانة في غرب الجزيرة العربية. وكانت قد أحرقت جميع النسخ التوراتية بعد غزوة نبوخذ نصّر لمكة وغرب الجزيرة، وهي الغزوة التي ذكرها الطبري، شيخ المؤرخين، نقلًا عن أهل الأخبار العرب. فمن كان يعرف هذه اللغة لم يعد يملك نصوصاً، ومن كان يملك نصوصاً في فلسطين من المهاجرين اليهود لم يكن يعرف سوى الآرامية. ولهذا استمروا ثمانية قرون يعملون على إعادة قراءتها، حتى جاء ابن ميمون من الأندلس ووضع لمساته على نموذج القراءة الأخيرة.
كيف كانت قراءة علماء النصوص المأثورة؟ عملوا، كما ذكرنا، على نصوص مكتوبة بالخط الآرامي المربع، وهو خط جزم من 22 حرفاً، بينما اللغات السامية المحكية كانت تتألف من 28-30 حرفاً، واليونانية من 26 حرفاً. هذا الوضع وهو نقص ستة حروف، خلق فجوة كبيرة في القراءة. ولذلك نرى أن الأسماء في الترجمة السبعينية قريبة من الأسماء الواردة في القرآن الكريم، وبعيدة عن القراءة اليهودية. إذن، قرأوا اللغة بالحروف الناقصة، ولم يتعلموا شيئاً عن السريانية المؤلفة من 30 حرفاً والتي تُكتب إلى اليوم بأبجدية من 22 حرفاً. كذلك كانت الكتابة العربية في صدر الإسلام بخط حجازي جزم من 22 حرفاً، ومنها كتبت الرسائل النبوية. فالحروف (ث، خ، ذ، ض، ظ، غ) كانت غير مميزة بالنقاط، لكن من يكتبها كان يعرف طريقة قراءتها.
وفي القرآن الكريم ورد اسم كتاب داوود وهو الزبور، وذلك لأنه كان مدوناً بخط الزبور، وهو ما يعرف أيضاً بالخط الثمودي/ المسندي اللين، وهو أبجدية سامية أعتبرها الأقدم؛ بينما الأبجدية الفينيقية التي تحاكي الآرامية القديمة تمثل نسخة مطورة من الخط الثمودي/المسندي المؤلف من 28 حرفاً، وكل حرف كان يمثل حرفًا عربيًا منطوقًا.
نذكر هنا أنه في العصر الأموي، ومع دخول الإسلام إلى مناطق جديدة بعيدة لا تتكلم العربية، مثل فارس وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان وغيرها، كان المسلمون الجدد يُخطئون في القراءة، مما يغير في معاني الآيات. فأرسل الولاة إلى الخليفة عبد الملك بن مروان يطلبون منه العمل على إيجاد طريقة لتصويب قراءة هؤلاء للغة العربية والقرآن الكريم. فكلّف والي العراق آنذاك الحجاج بن يوسف الثقفي بالعمل على حل المشكلة، فكلف الحجاج من جهته أبا الأسود الدؤلي، تلميذ الإمام علي بن أبي طالب بالأمر، فابتكر الحركات على الحروف (الفتحة والضمة والكسرة)، وتولى تلميذاه نصر بن عاصم الليثي ويحيى بن يعمر العدواني وضع النقاط على الحروف لتمييز بعضها عن بعض؛ مثل (ر، ز) و (د، ذ) و (ع، غ) ...، وهكذا عادت كتابة اللغة العربية إلى 28 حرفاً.
مع تطور البحث تبين لي أن اللغة الأصلية للتوراة هي لغة عربية، وعندما قرأتها بكامل ال 28 حرقًا ظهرت الأسماء الصحيحة للمواضع المذكورة في النصوص. وبعدما توصلت إلى أن الجغرافيا في التوراة لا تتطابق مع فلسطين، ولا مع العراق، ولا مع شرق الجزيرة، ولا اليمن، ولا عسير، لم يتبق أمامي إلا منطقة الحجاز. ونحن نعلم من القرآن الكريم أن سيدنا إبراهيم كان في مكة، بينما أهل الكتاب ينكرون ذلك. ومن هنا انطلقت في بحثي مجددًا، حتى وصلت إلى ما أعتقد أنه القراءة الصحيحة، التي دلت على أن حقيقة الأحداث جرت في مكة. أما الباحثون السابقون الذين تكلموا عن اليمن، فكانوا ينتقون عدة أسماء تشابه مع أسماء في التوراة، ثم ينسجون حولها قصصاً يتخيلون أن أحداثًا تاريخية حصلت فيها.
بقراءتي للعهد القديم وجدت 247 فصلاً تاريخياً، عملت عليها بتقنية ثلاثية الأسطر، وكانت النتيجة كتاب "التراث المأثور" الذي استغرق العمل على إنجازه نحو 22 عاماً، ونال الجائزة الأولى في معرض بيروت للكتاب العربي في عام 2022 بسبب استعمال هذه التقنية لأول مرة في الأدبيات العربية. كما طوّرت لأجله مشروعا على "غوغل إيرث" اسمه "التوراة الحجازية" باللغتين العربية والإنكليزية، يظهر 330 موقعاً مذكورة في الكتابين "التوراة الحجازية و"التراث المأثور". وكتاب "التراث المأثور" يتضمن 1200 صفحة من القطع الكبير، وفي آخره معجم لأكثر الكلمات استخدامًا، مع طريقة كتابتها وقراءتها الصحيحة، إضافةً إلى كشاف بأسماء المواقع الهامة ومواضعها الحديثة. ولتسهيل استعمال مشروع "غوغل إيرث"، أوجدنا رمز استجابة سريعة (QR) لتمكين القارئ من الولوج إليه عبر الهواتف الذكية والحواسيب، علماً بأن أسماء المواقع مرتبة أيضاً بحسب تسلسل قصص الأنبياء، من عهد سيدنا آدم إلى تاريخ سقوط أورشليم التي هي "عرش السلام" (وهذا أيضاً من أسماء مكة المكرمة القديمة)، على يد جيش نبوخذ نصّر.
هذا عن الطريقة التي توصّلت من خلالها لحل اللغز التاريخي العائد لألفي سنة خلت. وعند مقاربة الأسماء مع المواضع في غرب الجزيرة، نجد تطابقًا بنسبة عالية مع منطقة مكة، إضافة الى منطقة الطائف وجنوبها وصولاً إلى عسير، التي لا تشكل جزءاً من الأرض المقدسة؛ التي تمتد من وادي حلي في تهامة جنوبًا إلى وادي القرى في منطقة العلا شمالًا، وهي منطقة تعادل مساحتها ثلاثة أضعاف مساحة فلسطين الحالية.
الجزء الأول من سلسلة لقاءات "نستراك" مع الدكتور محمد مصطفى منصور

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook