الدكتور باسم فليفل: لبنان قبل 1920 لم يكن كياناً سياسياً، والكلام عن مناطق مسلوخة كلام فارغ

الدكتور باسم فليفل: لبنان قبل 1920 لم يكن كياناً سياسياً، والكلام عن مناطق مسلوخة كلام فارغ

 

في الجزء الرابع من سلسلة اللقاءات مع الدكتور باسم فليفل، يواصل كشف المغالطات التي تصرّ بعض الجهات اللبنانية على ترويجها رغم أنه ثبت تعارضها مع الوقائع والروابط الجغرافية والاقتصادية عبر التاريخ. كما يؤكد على أن الحلفاء، وبكل بساطة قسّموا المنطقة ورسموا خرائطها معتبرين أن سكانها أعداء، ويجب تقسيم أراضيهم لإضعافهم وتشتيت شملهم، ومن ذلك تأسيس الكيان اللبناني بما يخدم طموحات الموارنة والمصالح الفرنسية.

 

السؤال الأول: أشار البطريرك بشارة الراعي في حفل تطويب البطريرك الياس الحويك إلى أن الدولة العثمانية سلخت مناطق وقطاعات من "لبنان" إلى أن أُعيدت مع تأسيس دولة لبنان الكبير. كيف تقرأون هذا الطرح تاريخياً وعلمياً؟ وهل ترون أن هذه القراءة تعبر بدقة عن طبيعة التقسيمات الإدارية في تلك الحقبة، أم أنها تتقاطع أو تتعارض مع واقع الروابط الجغرافية والاقتصادية بين بيروت ومحيطها والمناطق الشامية الأخرى آنذاك، وكذلك تتعارض مع الوثائق الرسمية؟

 

جواب: لا، هذا بالطبع كلام غير صحيح؛ والافتراض أن لبنان كان موجوداً ككيان سياسي منذ مئات السنين -كما ذكرت- أو منذ آلاف السنين، هو كلام غير صحيح بالمطلق.

تسمية "لبنان"، حسب الجغرافيين العرب والمسلمين، كانت تطلق على جبل لبنان فقط، وتحديداً السلسلة الغربية. أما الساحل والبقاع والسلسلة الشرقية، لم تسم في التاريخ بلبنان. وجبل لبنان نفسه لم يكن منفصلاً عن سائر الديار الشامية ولم يكن له تميّزاً يفصله عن المحيط، وطول عمرنا نحن امتداد لبعض.

هذا "التصور الماروني" مبني على فكرة تكوين الهوية السياسية المارونية، وهي فعليا تكوّنت خلال فترة متصرفية جبل لبنان. قبل ذلك، وخلال فترة وجود الإمارات في الجبل، الموارنة كان لهم دور سياسي، ولكن السيادة بالبداية كانت للدروز بزمن المعنيين، ثم يحل معهم الموارنة.

أما مع الشهابيين المسلمين السنّة، فكانت السيادة لأهل السنّة، ومعهم الموارنة والدروز. ولما تنصّر، أو جاهر الأمير يوسف الشهابي بتنصّره، بدأت تتغير موازين القوى وتميل لصالح الموارنة، فصاروا هم القوة الأبرز بالجبل، وهذا خلق شرخ بينهم وبين الدروز، لاسيما أن الموارنة كانوا يستقوون بفرنسا وبالبابوية.

هذا الشرخ ازداد مع الأمير بشير الشهابي، الذي يقال ويشاع أنه كان مسيحياً، رغم أن هناك بعض المستشرقين ومنهم المستشرق الروسي قسطنطين بازيلي، الذي يذكر أن الأمير بشير كان دينه غامضاً، فكان مسيحياً مع المسيحيين، ودرزياً مع الدروز، ومسلماً مع المسلمين. وكما يروي بازيلي أيضاً، أن الأمير بشير كان يحرص على الظهور صائماً بشهر رمضان وبأيام الحر، وكان يرفض أن يشرب أو يأكل إلى أن يحين وقت المغرب، وكان حتى يؤدي صلاة المسلمين أمام الناس.

فهل كان يبطن المسيحية ويظهر الإسلام خوفاً من السلطات العثمانية؟ أم أساساً كان لا يؤمن بشيء؟ الله أعلم.

ولكن عموماً ونتيجة خصومته أيضاً مع مشايخ الدروز، وعلى رأسهم الشيخ بشير جنبلاط، ثم إقصاؤه لسائر الاقطاعيين الدروز، ليس بالضرورة من باب الطائفية، ولكن من باب المنافسة السياسية والمنافسة على زعامة الجبل. وعندما أقصاهم، بطبيعة الحال الدروز خسروا القيادة، بينما برز الموارنة على أنهم أقوى منهم.

طبعاً، إذا صح أن الأمير بشير كان اعتنق المسيحية، فالعامل الطائفي يكون لعب دور أساسياً جداً. والوضع زاد الطين بلة خلال الحملة المصرية على بلاد الشام، فدلّع محمد علي باشا المسيحيين بشكل كبير، وخاصة الموارنة لأن فرنسا كانت تدعمه، وبالمقابل أضعف الدروز أكثر.

طبعاً، الجميع انقلبوا على محمد علي باشا فيما بعد، نتيجة سياساته التي لم تتوافق مع طبيعة الديار الشامية، ولكن الشرخ كان قد وقع بالفعل، وحصلت المجازر الطائفية والاقتتالات المشهورة التي نعرفها في أعوام 1840، 1845، و1860.  هذه الاقتتالات أدت بنهاية المطاف إلى إنشاء متصرفية جبل لبنان.

وكان من أبرز البنود التي وردت في "الميفاق" (أي البروتوكول) بخصوص متصرفية جبل لبنان أن يكون حاكم جبل لبنان عثمانياً مسيحياً وغير لبناني. ومنذ ذلك الحين تعززت قوة الموارنة أكثر بالمتصرفية.

وهكذا يمكن القول إن الهوية السياسية المارونية تكوّنت نتيجة ظروف الجبل الطبيعية والجغرافية والطبيعية، وعجز الأرض عن تقديم ما يكفي من الموارد لسد حاجات السكان والارتقاء بمستواهم المعيشي والاقتصادي، المطالبات بضم أقسام معينة للمتصرفية، كان هدفها تأمين احتياجات الجبل.

الامر لم يتم، وغالباً، لأن السلطنة العثمانية كانت متأكدة أن هكذا فعل من شانه أنه يقوي قبضة الفرنسيين والأوروبيين المتغلغلين بالجبل حينذاك على مناطق أوسع من الديار الشامية. فكان من مصلحة الدولة العثمانية الإبقاء على هذا القسم من بلاد الشام محصوراً بقدر الإمكان للتمكن من إدارته وضبط النشاط الأجنبي بأكبر قدر ممكن.

وفيما بعد، ومع تأسيس الجمهورية اللبنانية على يد الفرنسيين، أُضيفت المناطق المحيطة بجبل لبنان كي يصبح قابلاً للحياة. وتبنى الموارنة هذا الخطاب التاريخي المزيف وفحواه أنهم أعادوا المناطق التي سُلخت عن إلى لبنان. والحقيقة أن الأمر لم يكن إعادة مناطق، بقدر ما هو تقسيم لبلاد الشام. يعني حدود لبنان خططها الفرنسيون، مثل ما خططوا حدود سوريا. والفرنسيون أنفسهم هم الذين قرروا أن لواء الإسكندرون للجمهورية التركية الوليدة. نفس الشيء حصل بالنسبة لفلسطين والأردن. ما الذي يفرّق فلسطين عن الأردن؟ من يقتنع أن الشعب الفلسطيني يختلف عن الشعب الأردني؟ أو أن الشعب الفلسطيني يختلف عن الشعب اللبناني؟ الاستعمار، ببساطة رسم الخرائط على ذوقه معتبراً ذلك تقسيماً لأراضي العدو. هم يعتبروننا أعداء شئنا أم أبينا لهذا الغرب، وإن لم نكن أعداء سياسيين وعسكريين، وبحكم ضعفنا، فنحن أعداء ثقافيين، ومن الحكمة والمنطق بالنسبة لهم إبقاؤنا منقسمين.

لذلك فالحديث عن استعادة مناطق مسلوخة للبنان هو كلام فارغ، ولا أساس له من الصحة.

لبنان في كل كتب التاريخ كان المقصود فيه جبل لبنان، وفخر الدين لم يبتكر لبنان المعاصر، ولم يوحد لبنان المعاصر، وهو ليس أب لبنان المعاصر، وهذا ما أسميه بالعربدة التاريخية، وفخر الدين لم يكن ينتمي إلى كيان اسمه جبل لبنان. كان ينتمي لمنطقة الشوف التي ولد فيها وقبيلته وعشيرته الدرزية. وأما توسيع نفوذه واكتساب أراضي ليس من باب توحيدها وخلق دولة، بل كان سعياً لزيادة الأموال والقوة الاقتصادية والضرائب والعوائد التي كان ينفق معظمها على جلب السلاح من أوروبا. هو سيطر على مناطق واسعة حتى في صفد والجليل في فلسطين ووصلا إلى حمص وتدمر شرقاً، وحماة شمالاً، فلماذا لم تُعتبر أرضاً لبنانية. الكتّاب الذي لا يليق أن نسميهم مؤرخين، اعتمدوا بُعداً طائفيا إلى حد كبير حيث اعتبروا حدود لبنان حيث يتواجد الموارنة. يعني تاريخ مفصّل على قياس فئة معينة وهواها. وفي نهاية الأمر، ضم بعض المناطق المذكورة لجبل لبنان وخلق الكيان اللبناني المعاصر هو حركة فرنسية، وتقسيم فرنسي، تماماً كما حصل في سائر الديار الشامية.

أضيف إلى ذلك أمر آخر، وهو أن الكثير من المناطق بلبنان المعاصر، تاريخياً كانت لها صلات أوثق بمناطق أخرى خارج حدود لبنان المعاصر، يعني البقاع تاريخياً كان أوثق صلة بدمشق، والعديد من أمراء البقاع، مثل آل حرفوش وآل فُريخ وغيرهم، كان عندهم ممتلكات وبيوت بدمشق. وكان سهل البقاع يورّد القمح والمأكولات والحنطة لدمشق دائماً. يعني البقاع كان سلة غلال لدمشق. طرابلس كانت وثيقة الصلة بالمناطق التي تعرف اليوم بالداخل السوري ومنه حمص. وكذلك بعلبك صلتها بحمص ودمشق أوثق من صلتها ببيروت. بيروت طبعا كان عندها صلات بجبل لبنان قوية بحكم أنها المدينة الأقرب، والأبرز، خاصة بالفترة اللاحقة من العصر العثماني لجبل لبنان. ولكن حتى بيروت نفسها كانت تسمى طيلة معظم التاريخ الإسلامي بثغر دمشق. الميناء الرئيسي لدمشق كانت مدينة بيروت، صيدا وصور مثلاً كانت أوثق صلة بمدينة عكا من سائر المدن. وهذا كله يدحض الرواية المارونية عن إعادة توحيد لبنان.

رابط الجزء الأول: شوّهوا التاريخ، والدولة العثمانية ليست دولة احتلال؟

رابط الجزء الثاني: هذه هي حقيقة العلاقة بين بيروت والدولة العثمانية

رابط الجزء الثالث: كتاب التاريخ اللبناني مشوّه والهوية الوطنية المصطنعة فشلت