سلام ينهي الضبابية الديبلوماسية: لا أحد يتحدث باسم لبنان، والسلاح بيد الدولة فقط
نبيل شحاده - شكلت مشاركة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك محطة فارقة في مسار الخطاب الرسمي اللبناني؛ إذ حملت كلماته واللقاءات الدبلوماسية التي أجراها عناك ولا سيما مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان نبرة حاسمة أنهت مرحلة الضبابية الدبلوماسية التي طالما حكمت بيروت في المحافل الدولية خلال العقود الأخيرة.
نبرة الحسم والوضوح التي ميّزت خطاب الرئيس نواف سلام في نيويورك لا تنفصل عن خلفيته الفكرية التي صقلتها دراساته وأبحاثه المعمقة في كبريات الجامعات الدولية في التاريخ والعلوم السياسية والقانون؛ فالرجل الذي تدرج في أعلى مدارج القضاء الدولي وترأس محكمة العدل الدولية في لاهاي، وخَبِر دهاليز الدبلوماسية الأممية سفيراً لبلاده وممثلاً لها في مجلس الأمن، لا يخاطب العالم بلغة المناورات الظرفية أو التسويات التقليدية، بل بعقلية رجل القانون والمؤسسات الذي يرى في "الدولة" كائناً دستورياً وأخلاقياً لا يقبل القسمة أو الشراكة أو التنازل.
كما إن انتماء الرئيس سلام إلى بيت بيروتي عريق لطالما شكّل عبر محطات تاريخ لبنان الحديث ركيزة للعمل الوطني والتمسك بالدستور والمؤسسات الشرعية الجامعة. هذه التنشئة التاريخية والثقافة القانونية جعلت من مفهوم "سيادة الدولة" لديه حقيقة ثابتة وقاعدة غير قابلة للمساومة.
ومن هنا، فإن تمسكه الصارم بحصرية السلاح واحتكار قرار الحرب والسلم ليس إلا انعكاساً لتلك الرؤية التي ترى في تغييب سلطة الدولة وسلاحها الشرعي خروجاً عن منطق القانون والدستور الوطني، وإساءة كبيرة لمفهوم العقد الاجتماعي الذي يؤسس الوطن والدولة؛ حيث يرى سلام أن استعادة قرار الدولة واستقلاليتها هما الشرط الوجودي لحماية لبنان وتجنيبه الانزلاق إلى مصير "الساحة البديلة" التي يدفع ثمنها الوطن لحساب توازنات وقوى عابرة للحدود.
انطلق الرئيس سلام في طروحاته من تشخيص دقيق للواقع اللبناني، فأعلن بلا مواربة أن " لا أحد يتحدث باسم لبنان، ولا أحد يفاوض عنه سوى الدولة اللبنانية من خلال مؤسساتها الدستورية"، وهو بذلك، يرفض أن يظل ساحة مفتوحة لحروب الوكالة أو صندوق بريد لتبادل الرسائل الإقليمية والدولية. وتجسدت أهمية هذا الموقف في تأكيده على ضرورة حصرية السلاح بيد المؤسسات العسكرية والأمنية الشرعية، واستعادة قرار الحرب والسلم كاملاً إلى كنف الدولة الدستورية، مع التمسك بالتطبيق الحرفي والكامل للقرارات الدولية، والدعوة إلى تأمين مظلة حماية دولية معززة تضمن سلامة الحدود الجنوبية وتدعم انتشار الجيش اللبناني.
وقيمة رسائل الرئيس سلام أنها تعيد تصويب البوصلة اللبنانية: فلبنان لم يعد يطلب التضامن الفارغ أو المعونات الإنسانية لإدارة أزماته المتواصلة، بل يقدّم نفسه كدولة ذات سيادة تسعى إلى تفكيك الارتهان الخارجي، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته القانونية والأخلاقية لوقف الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة من جهة، وتحصين قراره السيادي من جهة أخرى.
غير أن هذا الوضوح الذي لمع في سماء نيويورك يصطدم بواقع لبناني داخلي محكوم بالشلل والجمود، حيث تتجلى المفارقة الكبرى في وجود تقاطع معلن بين الرئاستين الأولى والثالثة حول مبادئ استعادة السيادة وحصرية السلاح، ومع ذلك تظل الوقائع على الأرض تراوح مكانها دون إحراز أي تقدم ملموس.
أما أسباب هذا التعثر فيعود إلى جملة من العوامل التي ترتبط ببعضها، ومنها:
- فائض القوة حيث يفرض حزب الله، بسلاحه غير الشرعي أمراً واقعاً يتجاوز المؤسسات الدستورية، ويضغط بما بقي منه للحفاظ على هيمنته على القرار السيادي، وهذا ما يجعل قرارات التهدئة أو التصعيد في الجنوب محكومة بحسابات ميدانية وعسكرية خارجية ترى في لبنان جبهة إسناد حيوية وورقة تفاوض لا يمكن التخلي عنها في مساومات القوى الكبرى.
- الادعاءات من بعض الجهات بأن تنفيذ القرارات يؤدي إلى صدام مباشر داخلي وتصدع للسلم الأهلي في حال وضع ملف حصرية السلاح قيد التنفيذ. هذا التردد الداخلي يُترجم عملياً إلى ترحيل دائم للاستحقاقات الجوهرية، والاكتفاء بالتصريحات المبدئية دون امتلاك الجرأة على وضع آليات تنفيذية تلزم جميع الأطراف بالقانون والدستور.
في نهاية الأمر، لقد نجح الرئيس نواف سلام في إعادة رسم الخطوط العريضة لهوية الدولة اللبنانية المستقلة أمام العالم، مقدماً سردية متماسكة تستند إلى الشرعية الدولية والمصلحة الوطنية العليا. إلا أن هذا النجاح الدبلوماسي يظل إنجازاً معلقاً ما لم يرافقه حراك داخلي شجاع يكسر حلقة التعطيل؛ فالسيادة لا تُستعاد بالخطابات وحدها في نيويورك، بل عبر فرض إرادة الدولة الواحدة على كامل ترابها الوطني، وإنهاء الوضع الاستثنائي الذي جعل من قرار الحرب والسلم سلعة معروضة في بازار الحسابات العابرة للحدود.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook