سلاح ذو حدين: هل يلحق الذكاء الاصطناعي بركاب البارود والمورفين؟

سلاح ذو حدين: هل يلحق الذكاء الاصطناعي بركاب البارود والمورفين؟

 

عبد الفتاح خطاب - شهد التاريخ البشري تولد ابتكارات عديدة بزغت من رحم السعي نحو تسهيل الحياة وحماية الإنسان، لكنها سرعان ما انحرفت عن مسارها النبيل لتتحول إلى أدوات دمار وأزمات مسكوت عنها.

لم يكن الصينيون القدماء عندما مزجوا ملح البارود والفحم يتخيلون أن منتجهم المخصص للألعاب النارية والاحتفالات سيتطور ليكون السبب الأول في إراقة دماء الملايين عبر المدافع والبندقيات.

ولم يكن العالم الألماني الذي استخلص المورفين من الأفيون لتسكين آلام الجرحى والمرضى يتوقع أن مادة الرحمة هذه ستفتح باب الإدمان الوخيم وتودي بحياة الآلاف وتدمر المجتمعات.

وعلى المنوال نفسه، جرى اكتشاف الديناميت على يد ألفرد نوبل بهدف جعل عمليات التعدين وبناء الأنفاق والبنية التحتية أكثر أماناً، فإذا به يستحيل أداة قتل وحروب روّعت العالم.

كما ابتكر العالم فريتز هابر تقنية تثبيت النيتروجين وصناعة الأسمدة الكيميائية لإنقاذ ملايين البشر من المجاعات، لكن التقنية ذاتها سُخّرت لاحقاً لإنتاج الغازات السامة والأسلحة الكيميائية في الحرب العالمية الأولى.

وحتى التخصيب النووي الذي أُوجد لإنتاج طاقة نظيفة تضيء المدن، تحول سريعاً إلى قنابل هيدروجينية تهدد بإبادة كوكب الأرض بكامله.

 

اليوم، يقف العالم أمام تقنية الذكاء الاصطناعي التي وُلدت وفي جيناتها وعود براقة لتطوير الطب، وتسريع الاكتشافات العلمية، وحل أزمات المناخ، وأتمتة المهام الشاقة. لكن المخاوف تزداد من أن يكرر هذا الابتكار سيناريو البارود والمورفين والديناميت نفسه. فالذكاء الاصطناعي بدأت تظهر له بالفعل استخدامات ضارة ومميتة؛ إذ تُستغل خوارزمياته الجينية(Genetic algorithms)  في التزييف العميق لتدمير السمعة وتزوير الحقائق، وتُستخدم نماذجه في تطوير أسلحة فتاكة ذاتية التشغيل تستطيع تحديد أهدافها وقتل البشر دون تدخل بشري، ناهيك عن احتمالية استغلاله من قبل جماعات متطرفة لتصميم فيروسات بيولوجية جديدة أو شن هجمات سيبرانية تشل البنى التحتية الحيوية.

 

إن الخطورة الأكبر والفريدة في الذكاء الاصطناعي لا تكمن فقط في إساءة استخدامه من قبل البشر، بل في قدرته الكامنة على التعلم الذاتي المستمر وتطوير نفسه بنفسه، بسرعة تتجاوز قدرة القوانين والأخلاقيات البشرية الحالية على ضبطه، مما يثير مخاوف وجودية من وصوله لمرحلة "الذكاء الاصطناعي العام" حيث قد يتخذ قرارات خطيرة ومصيرية بشكل مستقل وتلقائي، خارج نطاق السيطرة البشرية أو الفهم البشري للأسباب، وبمعزل عن المنظومات الأخلاقية التي بُني عليها في البداية.

 

إن الابتكارات في حد ذاتها محايدة أخلاقياً، وما يحدد أثرها هو النية البشرية وآليات التوجيه والرقابة. والذكاء الاصطناعي، شأنه شأن البارود والمورفين والديناميت، يحمل في طياته الخير المطلق والشر المحقق في آن واحد. ولئلا تتحول هذه التكنولوجيا الفائقة إلى أداة لإنهاء الحضارة التي أوجدتها، يتوجب على المجتمع الدولي إرساء أطر أخلاقية وصارمة للحوكمة والتنظيم قبل فوات الأوان، لضمان بقاء الذكاء الاصطناعي خادماً للبشرية لا خنجراً في صدرها.