خلف كواليس البيت الأبيض: هل نجح نتنياهو في جر ترامب إلى خيار التصعيد؟
نستراك - شخصت الأنظار مؤخراً نحو العاصمة الأمريكية واشنطن، حيث عقد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اجتماعاً مفصلياً في البيت الأبيض، اكتسب أهمية استثنائية بالنظر إلى توقيته وحجم الملفات الشائكة التي أُدرجت على طاولة البحث. وجاء هذا اللقاء في لحظة إقليمية شديدة التعقيد، تراوحت فيها المنطقة بين مساعي التهدئة الدبلوماسية وخطر الانزلاق نحو حرب إقليمية واسعة النطاق، مع التركيز على ملف المواجهة مع إيران، والتطورات الميدانية والسياسية في لبنان، وآفاق توسيع مسارات "اتفاقيات إبراهيم".
وأشارت تقارير وتحليلات استراتيجية صدرت عن مراكز أبحاث ومؤسسات إعلامية بارزة إلى أن اللقاء المحوري جاء على خلفية تجاذبات وانقسامات داخلية حادة شهدتها العاصمة الأمريكية. وكشف الحراك السياسي داخل الحزب الجمهوري عن صعود نفوذ جناح "أمريكا أولاً" المحافظ، الذي أبدى تحفظاً واضحاً ورفضاً متزايداً لأي خطوات قد تنجر عنها واشنطن إلى صراع عسكري مباشر وأطول أمداً في الشرق الأوسط. ورأى هذا التيار أن الانخراط في استراتيجيات تصعيدية لا يخدم المصالح القومية المباشرة للولايات المتحدة، بل يهدد باستنزاف مواردها الاقتصادية والعسكرية في حروب أبدية لا طائل منها.
في الوقت ذاته، أظهرت استطلاعات الرأي تراجعاً ملحوظاً في دعم القاعدة الشعبية لاستمرار الانخراط المباشر في التمويل والتجهيز العسكري للنزاعات الخارجية، ولا سيما في ظل الضغوط الاقتصادية وحالة عدم اليقين التي خيمت على الأسواق. هذا التحول التحفظي وضع القيادة الأمريكية تحت اختبار حقيقي، خصوصاً مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الداخلية؛ إذ خُشي أن يتحول هذا الملف إلى عبء سياسي مؤرق يؤثر على خيارات الناخبين.
وعلى الرغم من هذا التحفظ الداخلي، فقد شهد المسرح الميداني تحولاً بظهور العمليات العسكرية الجوية المباشرة؛ حيث نفذت القوات الأمريكية والسعودية ضربات جوية مشتركة استهدفت مواقع ومقرات تابعة لميليشيات "الحشد الشعبي" في العراق. وجاء هذا العمل العسكري للرد على هجمات الطائرات المسيّرة والصواريخ التي شنتها تلك الجماعات واستهدفت بها المنشآت النفطية والقواعد العسكرية، في رسالة ميدانية صارمة تهدف إلى تجريد هذه الجماعات من قدراتها الهجومية وقطع شريان الإمداد والتواصل بين طهران وحلفائها الإقليميين.
وارتبط هذا التطور الميداني بروابط وثيقة بقمة ترامب ونتنياهو في البيت الأبيض؛ إذ شكّل هذا العمل العسكري المشترك نموذجاً لما يطالب به بنيامين نتنياهو ويحاول إقناع واشنطن به، وهو الانتقال من سياسة الاحتواء والردع الدفاعي إلى خيار الضربات الاستباقية لتفكيك البنية التحتية للمحور الإقليمي لإيران. وترى القراءات الاستراتيجية أن العمليات المشتركة في العراق وفرت أرضية عملانية وعكست توافقاً في الرؤية الأمنية بين واشنطن وتل أبيب والشركاء الإقليميين، ما أعطى نتنياهو حججاً إضافية لحث ترامب على توسيع دائرة المواجهة وتغطية الضربات المستهدفة لشبكات التسليح والإمداد.
على صعيد العلاقات الثنائية، ورغم هذا التعاون العسكري والتوافق الاستراتيجي على منع طهران من امتلاك السلاح النووي، شهدت كواليس العلاقات نبرة نقدية أحياناً بشأن لبنان. فقد تجلى ذلك في الانتقادات الموجهة للسلوك العسكري الإسرائيلي المتصاعد هناك، حيث اعتبرت أطراف في الإدارة الأمريكية أن الإصرار على العمليات الميدانية الواسعة في لبنان قد يعطل مساعي التوصل إلى اتفاقات للتهدئة وإعادة الاستقرار الديموغرافي والأمني إلى الحدود، أو يفشل المسارات التفاوضية الدائمة.
في المقابل، دخل بنيامين نتنياهو تلك المحادثات محاطاً بحسابات سياسية وانتخابية حاسمة داخل بلاده. وسعى نتنياهو بشكل مباشر لانتزاع قرار أمريكي واضح بتدشين مرحلة جديدة وأكثر شراسة من التصعيد العسكري؛ حيث حاول جاهداً إقناع الرئيس ترامب بالتخلي عن مسارات التهدئة والاتفاقات المؤقتة، والاعتماد بدلاً من ذلك على منطق التصعيد الجذري لضمان إنهاء القدرات النووية والصاروخية لإيران وحلفائها بشكل كامل ونهائي.
وتقاطعت تلك المحادثات أيضاً مع تحركات حثيثة وضغوط دولية وأمريكية هدفت إلى تعزيز موقع الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، وحصر السلاح بيد الجيش اللبناني والأجهزة الرسمية، لمنع استخدام الأراضي اللبنانية كمنصة للصراعات الإقليمية، بالتوازي مع ضرب خطوط الإمداد العابرة للحدود في العراق وسوريا.
واتفقت القراءات السياسية على أن المساحة الأكثر ثباتاً وتماسكاً بين الطرفين كمنت في الهدف المبدئي المتمثل في حظر حصول إيران على سلاح نووي تحت أي ظرف. بيد أن الخلاف الجوهري ظهر في الوسائل والآليات المتبعة؛ فبينما مال نتنياهو إلى حسم الأمر عبر التصعيد العسكري الشامل والاستفادة من العمليات الميدانية المشتركة لحصار النفوذ الإيراني، فضّل الجانب الأمريكي موازنة الردع بالحلول السياسية لتفادي الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة. وشكلت قمة البيت الأبيض هذه اختباراً جاداً لمدى قدرة الإدارة الأمريكية على الموازنة بين تحالفاتها الاستراتيجية والحفاظ على أولوياتها الداخلية واستقرار المنطقة.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook