كهرباء من السماء: سلاح البنتاغون السري لكسر قيود الأرض

كهرباء من السماء: سلاح البنتاغون السري لكسر قيود الأرض

 

نستراك - لطالما اعتُبرت الطاقة الشريان الحيوي الذي يحدد مصير العمليات العسكرية والمدنية على حد سواء؛ فلا بقاء لقاعدة استطلاعية، ولا فاعلية لمنظومة رادار، ولا استمرار لمستشفى ميداني في بؤر الكوارث دون تغذية كهربائية مستقرة. غير أن تأمين هذا الشريان في المناطق الوعرة والمسارح العملياتية المعزولة ظل لعقود طويلة نقطة ضعف؛ إذ ارتهنت الجيوش بما يُعرف بمعضلة الوقود، دافعةً ثمناً باهظاً من الموارد والأرواح في حماية قوافل الإمداد عبر تضاريس معادية ومسارات محفوفة بالمخاطر.

 

في مواجهة هذا المأزق الجغرافي واللوجستي، داعبت مخيلة العلماء والمخططين فكرة بدت أقرب إلى الخرافة: لماذا لا نحصد الطاقة من مصدرها في الفضاء الخارجي؟ فخارج الغلاف الجوي للأرض، لا وجود للغيوم، ولا تعاقب لليل والنهار، ولا تشتت لضوء الشمس بفعل الغبار أو تقلبات الفصول؛ هناك تسطع الشمس بكثافة على سطح الكوكب بأضعاف مضاعفة وعلى مدار 24 ساعة دون توقف.

 

غير أن هذه الرؤية التي تنبأ بها كاتب الخيال العلمي وأستاذ الكيمياء الحيوية في جامعة بوسطن إسحاق عظيموف في أربعينيات القرن الماضي، وصاغ إطارها العلمي الأول الفيزيائي من أصل تشيكوسلوفاكي بيتر غلاسر عام 196، اصطدمت بجدار فيزيائي واقتصادي صلب بسبب تطلّب الحسابات الهندسية إنشاء هياكل عملاقة تمتد لكيلومترات مربعة لجمع الطاقة وارسالها، وهي منشآت يستحيل هندسياً وحسابياً حشرها داخل كبسولة تتحرك في الفضاء.  كما كان إطلاقها مجتمعة ككتلة واحدة يفوق ميزانيات الدول والقدرات التقنية، لتبقى الفكرة طوال أكثر من نصف قرن حبيسة أدراج البحث النظري والمحاكاة في المختبرات.

 

اليوم، يقف العالم أمام نقطة تحول غير عادية تتقاطع فيها تقنيات الإطلاق الفضائي منخفض التكلفة مع ثورة الروبوتات المستقلة في المدارات حول الأرض. فلم يعد المطلوب إطلاق محطة عملاقة جاهزة، بل إرسال "بَنّائين آليين" ووحدات صغيرة تُركّب وتتكامل ذاتياً في الفضاء، تمامً كقطع "الليغو". وهكذا سيعلن مشروع "أسغارد" التابع للبنتاغون بداية مغادرة الطاقة الشمسية الفضائية صفحات الخيال العلمي لتتحول إلى ركيزة جديدة طموحة وجريئة من ركائز الأمن القومي والتنافس الدولي.

 

ماهية المشروع وفكرته الأساسية

يقوم مشروع "أسغارد" وهو اختصار لعبارة إنكليزية تعني "هيكلية متطورة قابلة للتوسع لنشر الأنظمة الروبوتية" على نقل محطة التوليد بالكامل إلى مدار الأرض المنخفض الذي يصل حتى ارتفاع 2,000 كيلومتر. وتكمن الفكرة الجوهرية في التقاط أو حصد أشعة الشمس الساطعة في الفضاء الخارجي دون أي عوائق أو ملوثات ناتجة عن الغلاف الجوي أو تعاقب الليل والنهار أو التقلبات الجوية.

عقب جمع هذه الطاقة، يجري تحويلها مباشرة داخل المدار إلى حزم كهرومغناطيسية (موجات ميكروويف)، ومن ثم بثها بدقة عالية نحو محطة استقبال أرضية تُعيد تحويلها فوراً إلى تيار كهربائي جاهز للاستخدام، مما يوفر تياراً مستمراً على مدار الساعة.


 

البنية التشغيلية للمشروع

ينفذ المشروع عبر شراكة بين صندوق تحسين قدرات الطاقة التشغيلية (OECIF) التابع للبنتاغون، ومختبر أبحاث البحرية الأمريكي (NRL)، والشركة المطورة. وتعتمد المنظومة على ركيزتين رئيستين:
أولاً: المركبة الروبوتية "نيكسوس" والتي تعد منصة الفضاء الأساسية لشركة
"كاتاليست"، وتتميز بكونها مركبة مستقلة ذاتية التوجيه مزودة بأذرع قادرة على المناورة والالتحام في الفضاء و بناء المحطة وتجميع أجزائها آلياً في المدار.

 

ثانياً: البلاطات المعيارية المدمجة وهي ألواح طورها مختبر أبحاث البحرية الأمريكي مستفيداً من تجارب مدارية سابقة نُفذت على طائرة الفضاء العسكرية X-37B. تُشحن هذه الألواح مكدسة كحزم صغيرة، وتتولى أذرع المركبة الروبوتية تركيبها معاً لتشكيل مصفوفة عريضة قابلة للتوسيع المستمر من مستوى الكيلوواط إلى الميغاواط.

 

ثالثاً: محطة الاستقبال الأرضية، وتتضمن شبكة هوائيات سطحية مرنة وخفيفة الوزن يمكن نصبها في الميدان لاستقبال الحزمة اللاسلكية وتحويلها إلى طاقة كهربائية مستقرة دون الحاجة إلى تمديدات سلكية طويلة أو وقود أحفوري.

 

الأهداف العسكرية والاستراتيجية

لا يُنظر إلى المشروع داخل أروقة البنتاغون كمجرد تجربة علمية، بل كحل استراتيجي لجملة من التحديات الميدانية تهدف إلى كسر مشاكل النقل والإمداد إلى القواعد الأمامية والمواقع المعزولة في النزاعات الحديثة. ويتيح بث الطاقة عبر الأقمار الصناعية تزويد تلك القواعد باحتياجاتها التشغيلية من الجو مباشرة، مستغنياً عن حركة الإمداد البرية الخطرة.

كما يوفر المشروع قاعدة مستقبلية لإعادة تزويد الطائرات المسيرة، والرادارات، وأجهزة الاستشعار المتقدمة بالطاقة دون انقطاع، مما يطيل فترات بقائها في الخدمة.

وفي حالات الكوارث الطبيعية التي تؤدي إلى انهيار شبكات التوزيع الكهربائية الأرضية، يمكن توجيه حزمة الطاقة المدارية إلى المنطقة المنكوبة لتشغيل المرافق الحيوية والمستشفيات الميدانية بصورة فورية.

هذه المنظومة تستهدف أيضاً تزويد الأقمار الصناعية الأخرى في المدار بالطاقة، ما يزيد من عمرها الافتراضي ويدعم مشاريع التصنيع والبناء الفضائي في المستقبل.

 

التداعيات على المستوى الدولي

يفتح الانتقال العملي نحو الطاقة الفضائية آفاقاً واسعة، ولكنه يفرض في الوقت نفسه تحديات معقدة، ومنها: احتدام السباق بين القوى الكبرى، حيث يعزز مشروع "أسغارد" مكانة الولايات المتحدة في سباق الهيمنة على الطاقة المدارية في مواجهة الصين، التي تمضي بخطى متسارعة في برنامجها الفضائي المماثل (تشاري)، وتخطط لبناء محطة طاقة مدارية تجريبية ضخمة، إلى جانب مبادرات موازية في أوروبا (مشروع سولاريس) واليابان. وطبعاً، من يمتلك أسبقية نشر هذه الشبكات سيشكل ورقة ضغط اقتصادية وعسكرية استثنائية.

هذه المشاريع فيما لو نجحت، فهي ستبشّر بتوفير مصدر طاقة متجدد ونظيف ومستقل جغرافياً، ما يقلل من الارتهان للوقود الأحفوري وخطوط الأنابيب ومضائق النقل البحرية الحيوية، ويمنح الدول المالكة للتقنية استقلالية طاقية نوعية.

يبقى أن لهذه المشاريع مخاوف "الاستخدام المزدوج"، حيث تثير قدرة قمر صناعي على توجيه حزم طاقة عالية الكثافة إلى نقاط محددة على سطح الأرض أو نحو أقمار صناعية أخرى هواجس أمنية دولية؛ إذ يمكن توظيف هذه التكنولوجيا نظرياً ضمن منظومات أسلحة الطاقة الموجهة، ويزيد من تسارع عسكرة الفضاء الخارجي ويطرح تساؤلات قانونية حول تنظيم بث الترددات وسلامة المجال الجوي وحرية العمل في المجال الفضائي لكل الأطراف الدولية.

الوضع الجديد ومع التشغيل الفعلي لهذه المحطات سيفرض ضرورة وضع قواعد دولية جديدة لتخصيص النطاقات الترددية للميكروويف، وتحديد ممرات آمنة لمنع التداخل مع الطيران المدني والأقمار المجاورة، فضلاً عن حماية هذه المنشآت الحيوية في المدار من أي استهداف أو تشويش.

 

مشروع "أسغارد" هو نقلة نوعية من مرحلة نقل بعض أهم المفاهيم العلمية من أدراج الانتظار أو الأبحاث النظرية إلى التطبيق الميداني الفعلي؛ فمن خلال الجمع بين تجميع الأجزاء آلياً، وبث الطاقة عن بُعد، يرسم البنتاغون وشركة "كاتاليست" ملامح عصر جديد يتجاوز فيه مفهوم الطاقة الحدود الجغرافية، ليصبح الفضاء الخارجي ليس فقط ساحة للاستطلاع والاتصالات، بل مصدراً وشبكة توزيع رئيسية لقوة المستقبل.