باكستان وأفغانستان: خلفيات الصراع والحدود المشتعلة
نبيل شحاده - التوتر المتصاعد بين باكستان وأفغانستان تحول في ساعات قليلة إلى مشهد مقلق عبّرت عنه اشتباكات وتبادل ضربات واتهامات وتهديدات مباشرة بين الطرفين، في تأكيد على أن ما يجري ليس حادثاً عابراً في سياق علاقات غير مستقرة، بل حلقة جديدة من صراع تاريخي، جذوره عميقة، ويُعبّر عن تأثير الجغرافيا على السياسة والتحكم بمساراتها بين الدولتين.
من حيث الظاهر، يبدو النزاع مرتبطاً بحوادث أمنية حدودية، لكن القراءة التحليلية تكشف أن ما يجري هو نتيجة تراكم طويل لعوامل تاريخية واستراتيجية، ويلعب خط الحدود المسمّى "خط دوراند" الذي يمتد إلى نحو 2600 كلم دوراً أساسياً وحاسماً، في ظل رفض كافة الحكومات الأفغانية، بما فيها الآن حركة طالبان، الاعتراف بهذا الخط كحدود دولية رسمية، وهي تعتبره إرثاً قسرياً ومتعسفاً من زمن الاستعمار البريطاني الذي قسّم قبائل البشتون دون استشارة المجتمعات المحلية، وفرّقت بينهم بشكل غير مقبول. وضع الحدود هذا جعله منطقة هشّة وقابلة للاشتعال، يتداخل فيها عدة عوامل بشكل غامض ومعقّد، ومنها كما ذكرنا سابقاً خط دوراند وإشكالية تقطيع أوصال الترابط الاجتماعي للبشتون، وملف "طالبان باكستان" الذين يشنون هجمات دموية داخل الأراضي الباكستانية، وملف "جيش تحرير بلوشستان" وتتهم إسلام آباد كابول والهند أيضاً بتوفير ملاذ آمن لعناصره.
ومن العوامل أيضا، ملف اللاجئين الأفغان، الذي استخدمته باكستان كأداة ضغط سياسي وأمني، فأجبرت مئات الآلاف من الأفغان على الرحيل، فاعتبرت كابول بدورها أن هذه الخطوة ليست إلا عقاباً جماعياً وغير إنساني، مما عمّق فجوة عدم الثقة بين الطرفين. أما العامل الأخير فهو التقارب المستجد بين حكومة طالبان والهند، وترى فيه إسلام آباد تمدّداً هندياً وتهديداً استراتيجياً لها في أفغانستان، وتخشى معه من نشوء سيناريو "كماشة" يحيط بها من الشرق والغرب.
وهنالك أمر آخر، تعتبره باكستان بمثابة خيبة أمل لها منذ عودة حركة طالبان إلى الحكم. فقد ساد في البداية اعتقاد لدى إسلام آباد أن وصول الحركة إلى السلطة سيؤدي إلى تأسيس مناخ توافقي مع المصالح الباكستانية، ومن خلاله يجري معالجة كل الملفات الشائكة والعالقة منذ عقود. غير أن الواقع سار في اتجاه مختلف. فطالبان سعت بقوة منذ البداية إلى تثبيت شرعيتها الداخلية والخارجية، وعملت على إظهار استقلالية واضحة بأنها ليست تابعاً أو حليفاً لباكستان من خلال عدة مواقف متتابعة. في المقابل رأت باكستان أن كابول لا تبذل جهداً كافياً لمنع نشاط جماعات مسلحة تنطلق من الأراضي الأفغانية، وهذا اتهام يشكّل محور الخلاف الأمني الأشد حساسية على الحدود المشتركة.
هذا التباين في الحسابات الاستراتيجية والذي ترافق مع تصعيد أمني خطير دفع المسؤولين على الجانبين إلى إطلاق تصريحات اتسمت بلهجة عالية وتهديدات صريحة، عكست انتقال الأزمة من مستوى التوتر السياسي إلى مستوى العمل العسكري المتبادل. وهذا التطور يكشف أن المؤسسات الرسمية وخاصة الأمنية في البلدين قد بدأت فعلاً بالتعامل مع بعضها بصفة "الخصم" وليس الجار المُختلف معه فقط ديبلوماسياً.
ولكن، هل يمكن حل هذه المسألة عسكرياً؟ الإجابة القصيرة هي طبعاً "لا"، ولأسباب متشعبة وفي حال اتجه الطرفان إلى الميدان، فإن جلّ ما يمكن تحقيقه هو استنزاف قوى الطرفين وتراكم الخسائر، ودون تحقيق نصر حاسم أو فرض حل جذري ونهائي للمشكلة. ويزيد الأمر سوءاً هو الخلل الواضح في ميزان القوة بين البلدين. فباكستان تمتلك جيشاً نظامياً كبيراً وقوة جوية متقدمة وبرامج تسليح حديثة، إضافة إلى قدرات ردع نووية تجعلها قوة عسكرية إقليمية لها اعتبارها. في المقابل، تعتمد القدرات العسكرية الأفغانية على معدات محدودة وعلى بنية تنظيمية لا تزال في طور التشكل، وهذا التفاوت سيبقي الأزمة ضمن مواجهات محدودة أو ضربات موضعية، ويمنع احتمال اندلاع حرب شاملة، لأن كلفتها ستكون باهظة وغير مضمونة النتائج للطرفين.
أما في حال توسعت الحال إلى حرب مفتوحة، فالتداعيات ستكون خطيرة، وقد تؤدي إلى تعطيل طرق التجارة البرية التي تربط وسط آسيا بجنوبها، وخلق موجات نزوح جديدة في مناطق حدودية تعاني أصلاً من فوضى نزوح وهشاشة اقتصادية. كما أن أي انفلات أمني واسع قد يفتح المجال أمام جماعات مسلحة لاستغلال الفوضى وتنفيذ عمليات ارهابية، وهو سيناريو تخشاه القوى الإقليمية والدولية على حد سواء، وهذا ما دعا عواصم مؤثرة إلى حث الطرفين على ضبط النفس والعودة إلى قنوات الحوار.
في هذا الإطار برزت محاولات لاحتواء الوضع ومنع انفلاته من تركيا وقطر، حيث أطلق وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حملة دبلوماسية واسعة شملت اتصالات مع نظرائه في أفغانستان وباكستان والسعودية في محاولة لإحياء اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه في أكتوبر 2025 بجهود مشتركة بين أنقرة والدوحة، وتوفير قنوات اتصال غير مباشرة بين قيادات طالبان والحكومة الباكستانية لخفض التصعيد العسكري فوراً.
كذلك الصين التي تخشى أن يؤدي هذا الصراع إلى تهديد ممرات الطاقة ومشاريع "الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني" دعت الطرفين إلى ممارسة ضبط النفس والوقف الفوري لإطلاق النار. وعرضت روسيا رسمياً التوسط بين الطرفين إذا طُلِب منها ذلك. أما إيران، ورغم - انشغالها بموضوع التفاوض مع الأميركيين- فأبدت عبر وزير خارجيتها عباس عراقجي استعدادها للتوسط وتسهيل حوار بناء، مؤكدة أن الاستقرار بين الجارين ضروري لأمن المنطقة.
جهود الوسطاء حتى الآن لم تنجح في خفض التوتر لسببين: الأول هو الموقف الباكستاني المتشدد، وإصرار إسلام آباد على أن أي تهدئة يجب أن تبدأ بأفعال ملموسة وحازمة من كابول ضد حركة "طالبان باكستان" والمتمردين البلوش. والثاني هو التطور الجديد من خلال استخدام طالبان تقنيات عسكرية متطورة مثل الطائرات المسيرة وتنفيذ عمليات هجومية واسعة النطاق استهدفت مواقع للجيش الباكستاني على امتداد خط دوراند الحدودي وحتى داخل العمق الباكستاني، وكل ذلك سيُصعّب مهمة الوسطاء، ويتطلب جهوداً على أعلى المستويات لتعزيز فرص نجاح الوساطات الحالية وفي مقدمتها التركية القطرية، ثم يلي ذلك معالجة الأسباب العميقة للنزاع وفي مقدمتها ملف الحدود، وضبط الجماعات المسلحة، وتفكيك الشكوك وإعادة بناء الثقة بين الدولتين.

التعليقات (0)
تعليقات الـ Facebook